مقالات الظهيرة

رؤية وطنية..حين يستغيث المواطن بإدارة الكهرباء…  الكهرباء… بين أمانة المسؤولية ونداء الضمير!!

بقلم / أبوعبيدة أحمد علي:

ليست الأممُ بما تكتنزه خزائنها من ذهب، ولا بما تزدحم به مصارفها من أرقام، وإنما بما يضيء في ليلها من نور، وما يجري في عروقها من حياة. فإذا انطفأ الضوء، لم تنطفئ المصابيح وحدها، بل خبت معه إرادة البناء، وارتجفت في صدور الناس طمأنينة الغد، وغدا الليل أطول من ساعات الفلك؛ لأنه يمتد في النفوس قبل أن يمتد في الآفاق.

 

ولقد شاء الله أن يجعل النور أول آيةٍ تتجلى بها الحياة؛ فلا زرع يثمر في ظلمة، ولا مصنع يدور في عتمة، ولا مستشفى يحرس الأرواح إذا أُطفئت عنه أسباب الحياة، ولا طالب علم يفتح كتابه وقلبه معًا إذا حُجبت عنه نعمة الضوء. ومن هنا كانت الكهرباء في هذا العصر روحًا تسري في جسد الوطن؛ فإذا ضعفت سرت معها الحمى في كل عضو، وإذا انقطعت خُيل إلى الناس أن الوطن نفسه قد أُصيب في قلبه.

 

وما يؤلم النفس ليس أن تمر الأوطان بالمحن؛ فإن الشدائد سنة الله في خلقه، وإنما يؤلمها أن تتوافر أسباب الخلاص، ثم تقف بينها وبين الناس حواجز من البطء، أو التردد، أو غياب المبادرة. فكم من أزمةٍ أطالها الإهمال، وكم من وطنٍ أخره قرار كان ينبغي أن يولد في يومه، فإذا به يشيخ في أدراج المكاتب.

 

وقد قرأت ما كتبته الأستاذة سهير عبدالرحيم، فوجدت فيه سؤالًا أكبر من الأشخاص، وأوسع من المناصب، وأبقى من اللحظة الراهنة؛ إنه سؤال الضمير قبل أن يكون سؤال الإدارة: ماذا نصنع حين تمتد إلى الوطن يدٌ تريد أن تعين، ثم يطول انتظارها حتى يكاد اليأس يسبقها؟

 

ولست هنا بصدد إثبات رواية أو نفيها، فذلك مما تقوله الوثائق والتحقيقات والجهات المختصة، ولكنني أومن بأن المبادرات الوطنية الصادقة نعمةٌ لا يجوز أن تُستقبل بالصمت، ولا أن تُترك معلقةً بين أبواب المكاتب؛ فالأوطان التي تُحسن استقبال الخير، هي الأوطان التي يتكاثر فيها أهل الخير.

 

ثم إن الكهرباء ليست ملفًا فنيًا يُدار بالأرقام وحدها، بل هي امتحانٌ للإدارة، واختبارٌ لقدرة الدولة على أن تُشعر مواطنيها بأن مصالحهم مقدمة على كل شيء. فكل ساعة ينقطع فيها التيار ليست دقيقةً تُخصم من الزمن فحسب، بل هي صفحة تُنتزع من كتاب التنمية، ورغيف يتأخر، ودواء يتعطل، ومصنع يصمت، وقلب أمٍ يقلق على رضيعها، وشيخ يواجه حر الصيف بلا معين.

 

أما ما أصاب بعض منشآت الكهرباء من حرائق وأعطال، فهو باب لا ينبغي أن يدخله الظن، ولا أن تغلقه العاطفة.

فالحقيقة لا يحرسها إلا العلم، والعدل لا يكتمل إلا بتحقيق مهني مستقل، يزن الوقائع بميزان الخبرة، ويقول للناس ما ثبت بالدليل، فإن ظهر تقصير حوسب صاحبه، وإن ثبت تخريب نال فاعله جزاءه، وإن تبين خلل في المنظومات سارعت الدولة إلى إصلاحه، لأن صيانة الثقة لا تقل أهمية عن صيانة المحولات.

 

إن المنصب العام ليس وسامًا يزين الصدور، بل أمانة تثقل الضمائر، ومن جلس على كرسي المسؤولية فقد جلس في محكمة التاريخ قبل أن يجلس في مكتب الإدارة. ولن يسأل الناس غدًا كم اجتماعًا عقد المسؤول، ولا كم تصريحًا أدلى به، وإنما سيسألون: ماذا أنجز؟ وكم دمعةً جفف؟ وكم بيتًا أعاد إليه النور؟

 

ولعل أعظم ما يحتاجه السودان اليوم أن تتحول المسؤولية من وظيفة تؤدى إلى رسالة تُحمل، وأن يصبح الزمن في نظر المسؤول أغلى من الذهب، لأن الدقيقة التي تضيع في المكاتب قد يدفع ثمنها ملايين المواطنين في بيوتهم ومستشفياتهم ومدارسهم وحقولهم.

 

همسة وطن

 

إن الوطن لا يطلب من مسؤوليه المستحيل، وإنما يطلب منهم أن يحملوا همَّه كما يحمل الأب همَّ أبنائه، وأن يفتحوا الأبواب لكل مخلص يريد أن يضيف لبنةً في بنيانه. فالسودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعظم من كل خلاف؛ وسيظل ينتظر رجالًا إذا ناداهم الواجب لبّوا، وإذا استصرخهم الوطن قالوا: لبيك، هذا أوان الوفاء.

 

اللهم يا من قلت وقولك الحق: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أخرج السودان من ظلمات الحرب والأزمات إلى نور الأمن والعافية والبناء، وألهم أهله رشدهم، وبارك في كل يدٍ مخلصة تعمل لرفعته، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى