مقالات الظهيرة

(شــــوكة حـــــوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب… المنابر بين الأمانة والرسالة!!

*تتجه أنظار الملايين من المسلمين اليوم الجمعة، الرابع عشر من أغسطس ٢٠٢٦ نحو المنابر التى تتزين لاستقبال ذكرى المولد النبوى الشريف؛وهى مناسبة عاطفية ودينية جامعة تُجيّش لها عادةً أرق الكلمات وأعذب الأوصاف غير أن المشهد في أغلب المساجد سيعيد إنتاج نفسه بنمطية مكررة حيث يستمع الخطباء لخطبٍ تكاد تكون أُعيدت صياغتها بالحرف من أعوام سابقة متجاهلةً التحولات الجذرية والتحديات العاصفة التي يعيشها المصلون خارج جدران المسجد يمكن القول إن أزمة الخطاب المنبرى الراهن لا تكمن فى الاحتفاء بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بل فى تلك الفجوة الهيكلية التى تنمو كل يوم بين السيرة النبوية والواقع المعيش لقد استُهلكت السيرة في سرد التاريخ المجرّد والأوصاف الشكليّة بينما غاب المنهج النبوي كحلولٍ عملية وإرشادات حية لمواجهة ضغوط الحياة المتزايدة التى تطحن المواطن البسيط صباح مساء*.

 

*يقف الخطيب ليتحدث عن رحمة النبى وأخلاقه بينما يخرج المصلى من باب المسجد ليواجه غول الغلاء واكتواء الأسواق بأسعار لا تُطاق لقد عجزت المنابر عن ربط موقف النبى صلى الله عليه وسلم بالأسواق وكيف كان يرفض الاحتكار ويحارب الاستغلال ويدعو لإنصاف الضعفاء والمحتاجين فصار الخطاب الدينى محلقاً فى السماء بعيداً عن أوجاع الأرض ولم يقف العجز عند حدود الاقتصاد اليومى بل امتد ليشمل الصمت المريب عن ظواهر الفساد المالى والمعاملات الربوية المتشابكة التى باتت تأكل الاقتصاد والمجتمعات إن المنابر التى تفقد شجاعة وضع الأصابع على جراح المجتمع الحقيقية تغدو جزءاً من أزمة الوعى بدلاً من أن تكون أداة للتنوير والتطهير الأخلاقى*.

*تتجلى المعضلة الكبرى فى انحسار مفهوم كلمة الحق تلك القيمة التأسيسية التي قام عليها المجتمع الإسلامى الأول لقد خفت الصوت المنبرى الذى يمثل ضمير الأمة وتراجعت شجاعة النصح الصادق للحكام والمسؤولين تلك الممارسة التي لخصتها المقولة الخالدة (لا خير لنا فيكم إن لم نقلها لكم، ولا خير فيكم إن لم تسمعوها منا) ويبقى الانفصال عن قضايا الناس يُخيّل معه للمصلى أن المنابر قد تحولت تدريجياً إلى مؤسسة شكلية ضمن مؤسسات الدولة التابعة تُحدد لها الموضوعات مسبقاً وتُرسم لها الحدود التى لا ينبغى أن تتجاوزها ليغدو الخطيب مجرد موظف يؤدى يميناً وواجبات إدارية لا صاحب رسالة إصلاحية استثنائية*.

 

*هذا التنميط الحاد للخطبة حولها من حدث أسبوعى يجدد الطاقة الإيمانية والاجتماعية إلى طقس تقليدى يؤديه الناس بدافع العادة وعندما يفقد الخطاب الدينى قدرته على ملامسة آلام الناس وحاجاتهم فإنه يخسر بالضرورة سلطته الأخلاقية وتأثيره الحقيقى فى توجيه المجتمع وتحريك سلوكياته نحو الأفضل مع العلم أن السيرة النبوية الشريفة لم تكن يوماً مجرد صفحات تُقرأ فى المناسبات الموسمية بل كانت حركة تغيير شاملة واجهت الظلم وأرست عدالة التوزيع وحاربت الاستغلال وحمت حقوق الفقراء والمستضعفين وإن إغفال هذا الجانب العملى في يوم المولد الشريف يُعد تفريغاً للذكرى من مضمونها الحقيقى*.

 

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*استعادة المنبر لدوره الريادى يتطلب شجاعةً في تجديد الخطاب الدينى بحيث ينزل من برج العموميات ليتحدث بلغة الناس ومشكلاتهم الحقيقية كما ينبغي للخطبة أن تكون مساحة صادقة للتشخيص والحلول تعكس تطلعات الشارع وتصون الأمانة، وتجهر بالحق فى وجه الكسب الحرام والفساد بكافة أشكاله*.

 

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*الاحتفاء الحقيقي بمولد النبى المصطفى صلى الله عليه وسلم فى هذا اليوم لا يكون بترديد الكلمات المستهلكة بل بإحياء سنته في نصرة المظلوم ومواجهة الغلاء بالعدل ومحاربة الفساد بالنصح والشفافية حينها فقط يعود للمنبر بريقه وهيبته ويستشعر المصلى أن ما يسمعه تحت سقف المسجد هو بذاته ما يحتاجه ليحيا بكرامة خارج أسواره*.

 

 

yassir.mahmoud71@gmail. com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى