د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… حين يتكلم الكبار… التوثيق الشفهي (5)

هناك ذاكرة لا تسكن الكتب، ولا تحفظها الرفوف، ولا تستطيع الأجهزة وحدها أن تستعيدها.
إنها ذاكرة الإنسان.
ففي صوت الجد، وحكاية الأم، وشهادة المعلم، وذكريات العامل، ورواية الصحفي، وتجربة الأستاذ الجامعي، تختبئ تفاصيل كثيرة قد لا نجدها في الوثائق الرسمية، لكنها تشكل جزءًا أصيلًا من تاريخ المجتمع.
حين يتكلم الكبار… تتحدث الذاكرة.
التوثيق الشفهي ليس مجرد تسجيل لحكايات قديمة، أو الاستماع إلى ذكريات عابرة، وإنما هو وسيلة مهمة لحفظ الخبرات والتجارب والأحداث التي عاشها أصحابها بأنفسهم.
كم من حدث مهم لم يُكتب في وقته، لكنه بقي حاضرًا في ذاكرة من عاشوه؟
وكم من شخصية صنعت أثرًا في مجتمعها، ثم مضت السنوات دون أن تُحفظ شهادتها؟
وكم من تجربة مؤسسية، أو قصة نجاح، أو مرحلة تاريخية، ظلت محفوظة في ذاكرة أشخاص، ثم اختفت برحيلهم؟
هنا تأتي أهمية التوثيق الشفهي.
فالإنسان نفسه قد يكون أرشيفًا حيًا.
لكن هذا الأرشيف لا يبقى إلى الأبد.
فالذاكرة البشرية معرضة للنسيان، والزمن يمضي، والأجيال تتغير، وإذا لم نسارع إلى تسجيل الشهادات المهمة، فقد نفقد معها تفاصيل لا يمكن استعادتها.
وفي السودان، تبدو قيمة التوثيق الشفهي كبيرة بصورة خاصة.
فالمجتمع السوداني غني بالحكايات والتجارب والروايات الشعبية، ولديه أجيال عاصرت مراحل سياسية واجتماعية وثقافية وتعليمية وإعلامية مختلفة.
هناك أساتذة يحملون ذاكرة الجامعات، وصحفيون يحملون ذاكرة الصحافة، وإذاعيون يحملون ذاكرة الصوت، وفنانون يحملون ذاكرة الأغنية، ومعلمون يحملون ذاكرة التعليم، وموظفون وعاملون يحملون تفاصيل مؤسسات وأماكن ربما تغيرت أو اختفت.
كل واحد من هؤلاء يمكن أن يكون مصدرًا من مصادر التاريخ.
لكن التوثيق الشفهي يحتاج إلى منهج.
فليس كل ما يُروى حقيقة مكتملة، والذاكرة قد تخطئ أو تنسى أو تضيف من الزمن ما لم يكن موجودًا في الأصل.
لذلك ينبغي أن يكون التسجيل مصحوبًا بالمعلومات الأساسية: اسم الراوي، وتاريخ المقابلة، ومكانها، وموضوعها، والسياق الذي قيلت فيه، مع مقارنة الشهادة بالمصادر والوثائق الأخرى كلما أمكن.
والتقنية اليوم جعلت المهمة أسهل.
فالهاتف المحمول يستطيع أن يتحول إلى أداة توثيق؛ يسجل الصوت والصورة، ويحفظ المقابلة، ويمكن نقلها إلى أرشيف رقمي، وفهرستها، وحمايتها من الضياع.
لكن التكنولوجيا ليست هي الهدف.
الهدف أن ننقذ الذاكرة قبل أن يسبقنا النسيان.
علينا أن نسأل كبار السن عن حياتهم، وعن مدارسهم، وأحيائهم، ومهنهم، ومؤسساتهم، وعن الأحداث التي عاشوها.
أن نسألهم قبل أن يصبح السؤال متأخرًا.
أن نستمع إلى شهاداتهم لا باعتبارها حكايات شخصية فقط، وإنما باعتبارها أجزاء محتملة من صورة أكبر لتاريخ المجتمع.
فالطفل الذي يستمع اليوم إلى حديث جده قد لا يدرك قيمة تلك الكلمات، لكنه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا قد يبحث عن تلك التفاصيل فلا يجدها.
لذلك… سجّلوا أصوات الكبار.
احفظوا صورهم، ومقابلاتهم، وذكرياتهم، ووثائقهم، وحكاياتهم.
فالكتاب قد يحفظ حدثًا، لكن الشاهد قد يحفظ تفاصيله الإنسانية.
والوثيقة قد تخبرنا ماذا حدث، بينما الشهادة الشفهية قد تساعدنا على فهم كيف عاش الناس ذلك الحدث.
وهنا يلتقي التوثيق الشفهي بالأرشيف الرقمي.
الأول يحفظ الصوت والذاكرة والتجربة، والثاني يوفر الوسيلة لحفظها وتنظيمها وإتاحتها للأجيال.
وبينهما يمكن أن نبني ذاكرة أكثر اكتمالًا.
فإذا كان التوثيق ذاكرة الأمة، فإن التوثيق الشفهي هو صوت هذه الذاكرة.
وحين يتكلم الكبار…
علينا أن نصغي.
فقد تكون كلماتهم آخر نسخة من قصة لن تُكتب مرة أخرى.
whba938@gmail.com



