مقالات الظهيرة

72 عاماً.. الجيش السوداني قلب لا يخفق إلا للوطن…. قراءة استراتيجية في عقيدة المؤسسة العسكرية ودورها في صون السيادة في زمن التحديات

سلسلة مقالات السودان أولاً – قراءات استراتيجية

بقلم الدكتور/ محمد عوض محمد متولي

المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

*أغسطس 2026م*

_______________

في كل أمة لحظات مفصلية يعاد فيها تعريف معنى الوطن، وفي السودان كانت تلك اللحظات مرتبطة دوماً باسم واحد: القوات المسلحة. ومع حلول الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الجيش السوداني في الرابع عشر من أغسطس، لا نقف أمام مجرد مناسبة احتفالية، بل أمام استذكار لعقود من السيادة الراشدة التي صاغتها مؤسسة قتالية عرفت كيف تتحدى الموت عند المحن، وكيف تظل متماسكة تحت كل الظروف.

 

إن جيشنا العظيم لم يولد صدفة. لقد نشأ من أصالة التاريخ العريق، وتشبع بالقيم السامية والموروثات النبيلة التي جعلت من حب الأرض وحماية العرض وصون كرامة الإنسان مبادئ راسخة في عقيدته القتالية. هذه العقيدة لم تقم على الغزو أو التوسع، بل قامت منذ اللحظة الأولى على أساس واحد لا يتغير: الدفاع عن الوطن والحفاظ على سيادته وصون أراضيه من المتربصين والأعداء.

 

وتمتد جذور هذه المؤسسة إلى العام 1925م عندما تأسست “قوة دفاع السودان” في عهد الحكم الثنائي، والتي كانت نواتها الأولى لما صار لاحقاً الجيش السوداني. ومع فجر الاستقلال في 1956م انتقلت القيادة تدريجياً إلى الضباط السودانيين، حتى غادرت آخر الوحدات البريطانية البلاد في أغسطس 1955م، وجرى إعلان “الجيش السوداني” في يناير 1954م عقب سودنة القيادة. وفي ذلك التاريخ تسلم أول قائد سوداني الفريق أول أحمد محمد الجعلي زمام قيادة الجيش من القائد الإنجليزي، ليبدأ عهد جديد قوامه الولاء للتراب والدستور لا للتاج.

 

ولعل ما يميز القوات المسلحة السودانية هو أنها مؤسسة خاضت تجارب قتالية طويلة أكسبتها رباطة جأش وانضباطاً نادراً. فقد شارك الجيش السوداني في الحرب العالمية الثانية، وحرب فلسطين، وحرب أكتوبر 1973م، وقوات الردع العربية في جنوب لبنان، وفي عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في عدد من البلدان. ولم يكن هذا ليتحقق لولا أن الجيش أهّل نفسه عبر مؤسسة تدريبية عريقة، الكلية الحربية السودانية، التي أنشئت كمدرسة حربية في 16 مايو 1905م وتخرجت أول دفعة منها عام 1907م. وبعد سودنة الكلية عام 1954م وتولي البكباشي الطاهر بك العبد قيادتها تحول قسم الولاء إلى “حماية تراب الوطن ودستور السودان”. وقد تطورت الكلية لتصبح اليوم جامعة عسكرية متكاملة تمنح بكالوريوس العلوم العسكرية والإدارية، وتضم كليات الدفاع والحرب والقيادة والأركان المشتركة والأكاديمية الطبية والعسكرية، وتحظى بسمعة إقليمية جعلت دولاً عربية وأفريقية ترسل ضباطها للتدريب فيها.

 

وفي السياق الراهن تكتسب هذه الذكرى أبعاداً أعمق. فالسودان يواجه منذ أبريل 2023م حرباً فرضت عليه إعادة تعريف مفاهيم الأمن القومي والتماسك الداخلي. وفي خضم ذلك ظل الجيش هو صمام الأمان الذي التفت حوله قطاعات واسعة من الشعب، ليس لأنه القوة الوحيدة المسلحة، بل لأنه الحامل التاريخي لمعنى الدولة. وقد جسدت تضحيات الشهداء والجرحى والمأسورين هذا المعنى بأبهى صوره. فالشهداء الأبرار دفعوا ثمن السيادة بأرواحهم، والجرحى يحملون أوسمة العز على أجسادهم، والمأسورون يمثلون صموداً يتحدى محاولات كسر الإرادة الوطنية.

 

إن قراءة المشهد العسكري السوداني اليوم لا يمكن فصلها عن قراءة الدولة. فالجيش في السودان ليس مجرد أداة دفاعية، بل هو مؤسسة ضامنة للوحدة، ورافعة لمعنويات الأمة، وذاكرة حية لمعارك الاستقلال وبناء الدولة. ولهذا فإن الاحتفاء بالذكرى الثانية والسبعين ليس احتفاءً بسلاح أو رتب، بل احتفاء بفكرة: فكرة أن هناك مؤسسة ظلت على مدى 72 عاماً قلبها لا يخفق إلا لله والوطن.

 

ولأن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، فإن مستقبل هذه المؤسسة مرتبط بقدرتها على مواكبة التطور. فالتدريب المطور، والعقيدة الراسخة، والانضباط التاريخي، كلها عناصر يجب أن تلتقي مع تحديث المنظومات والتأهيل الأكاديمي والانفتاح على علوم الأمن الحديثة. فالمعركة القادمة ليست معركة حدود فقط، بل معركة معلومات ورواية وسيادة اقتصادية. والتحدي الآن ليس في الاحتفاء بالماضي فقط، بل في تحويل هذه العقيدة الراسخة إلى مشروع وطني لإعادة بناء الجيش والدولة معاً، جيش مهني محترف، ودولة ذات سيادة كاملة.

 

الخاتمة التي تفرضها المناسبة واضحة: الرحمة والمغفرة لشهدائنا الأبرار، وعاجل الشفاء لجرحانا، وعودة قريبة لأسرنا. وما النصر إلا صبر ساعة. وفي ذكرى 72 عاماً ندرك أن السودان ما زال يجد في جيشه الضمانة الأخيرة لوحدته، والمرآة التي تعكس صلابته. فالجيش ليس خارج الشعب، بل هو من الشعب وإليه. وكلنا جيش، لأن معركة السيادة معركة الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى