مقالات الظهيرة

د. ياسر عثمان أبو عمار يكتب…. انتشار المخدرات في الإقليم الشمالي… مشروع مُخطط لتدمير المجتمع

لم يعد انتشار المخدرات في مدن الإقليم الشمالي قضية جنائية عابرة يمكن اختزالها في نشاط بعض المهربين وتجار السموم الباحثين عن الربح السريع.

فالمشهد الذي يتكشف أمامنا، وما يصاحبه من ضبطيات متكررة وبكميات تجارية، يفرض أسئلة أكبر من حدود الجريمة التقليدية.

مما يجعلنا نتساءل عمن يقف وراء هذا الانتشار؟ ولماذا تتجه هذه السموم بصورة متزايدة نحو شريحة شبابنا في الشمال؟ وهل نحن أمام نشاط إجرامي منفصل، أم أمام استهداف اجتماعي يستغل تجارة المخدرات لتحقيق غايات تتجاوز الربح المادي؟.

صحيح أن المخدرات تُنتج وتُهرّب وتُروّج عادة بواسطة شبكات وعصابات لا يحركها في المقام الأول سوى المال، لكن خطورة المشهد في الإقليم الشمالي تكمن في احتمال أن تتحول هذه الشبكات إلى أدوات ضمن بيئة أوسع للاستهداف، سواء عن قصد أو نتيجة استغلالها من أطراف تسعى إلى إضعاف المجتمع الذي عُرف بتماسكه.

فالمجتمع الذي يُستنزف شبابه بالمخدرات يفقد تدريجياً طاقته على الإنتاج والمقاومة والبناء، وتُضرب فيه الأسرة، وتتراجع قيم الانضباط والمسؤولية، وتزداد معدلات الجريمة والتفكك الاجتماعي.

إن ما يحدث يستحق أن يُقرأ من أهل الولاية – قبل المسؤولين- باعتباره جزءاً من معركة حماية المجتمع، لا مجرد ملف أمني.

فالحروب الحديثة لا تُخاض دائماً بالرصاص وحده، إذ يمكن أن تستهدف المجتمعات عبر اقتصادها وأمنها النفسي وتماسك أسرها ومستقبل شبابها.

وإذا ثبت وجود جهات تتعمد توجيه تجارة المخدرات نحو مناطق بعينها أو فئات محددة، فإن الأمر يصبح أخطر بكثير من مجرد مشروع تجاري إجرامي، ويتحول إلى صورة من صور الحرب على المجتمع.

ولذلك فإن مواجهة المخدرات في الإقليم الشمالي يجب ألا تقتصر على ضبط المهربين وتجار التجزئة – الموزعين والمروجين-، بل ينبغي أن تمتد إلى تفكيك شبكات التمويل والإمداد، وتتبع مصادر هذه المواد ومسارات وصولها، وكشف المستفيدين الحقيقيين منها، بالتزامن مع برامج توعية وحماية للشباب ودعم للأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمعية.

إن حماية شباب الإقليم الشمالي ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع بأكمله. وليت الجميع يعلمون أنهم ليسوا بمنأى عن الإدمان وأن أسرهم – الآمنة اليوم- لن تكون آمنة عداً أو بعد غد، وحينها لن سيعضون أصابع الحسرة والندامة، ولات ساعة مندم.

وإذا كانت معركة الكرامة تستهدف حماية الأرض والإنسان، فإن حماية العقول والأجيال من المخدرات تمثل الوجه الآخر للمعركة نفسها لا سيما وأن العدو هو ذات العدو.

فالمجتمع الذي يحمي شبابه من الانهيار يحمي مستقبله، ويمنع أي مشروع، أياً كان مصدره، من تحويل المخدرات إلى سلاح لتدمير الإنسان السوداني من الداخل.

المطلوب وعلى وجه السرعة، أن تضع لجان المقاومة والفعاليات المجتمعية في الإقليم الشمالي خطر المخدرات في صدارة أولوياتها، وأن تتعامل معه باعتباره تهديداً مباشراً لأمن المجتمع ومستقبل شبابه.

وعليها أن تعمل، بالتنسيق الوثيق مع الأجهزة الأمنية والعدلية، على كشف شبكات التعاطي والترويج والتهريب، وتتبع خيوطها حتى الوصول إلى الرؤوس المدبرة ومصادر التمويل والإمداد.

فلا يكفي أن تتوالى الضبطيات وتُعلن عن كميات كبيرة من المخدرات المضبوطة، بينما تظل الشبكات التي تقف وراء إدخالها وتوزيعها بعيدة عن دائرة المساءلة.

المطلوب من المؤسسات الأمنية الإتحادية هو ضرب هذه الشبكات في مراكزها، وتجفيف منابعها، وعدم السماح بتحويل مدن الإقليم إلى سوق مفتوحة لسموم تستهدف عقول أبنائه.

إنها معركة تتطلب الحزم واليقظة والشجاعة، ولا مجال فيها للمجاملة أو غض الطرف عمن تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو مكانته الاجتماعية.

لكن الحزم لا يعني الفوضى أو الاتهام بلا دليل، بل يعني أن تقوم الأجهزة المختصة بواجبها كاملاً، وأن تُبنى الإجراءات على التحري والأدلة والقانون، حتى ينال كل متورط جزاءه العادل.

وعلى أهلنا في الشمال أن يعوا ويدركوا جيداً أن حماية شباب الإقليم ليست قضية ثانوية، بل هي دفاع عن مستقبل المجتمع نفسه، ومن ثم فإن كل مواطن قادر على الإسهام في كشف هذه الشبكات، وكل مؤسسة قادرة على المواجهة، مطالبة بأن تتحمل مسؤوليتها، لأن السكوت عن هذه الآفة في هذه المرحلة قد يعني ترك جيل كامل فريسة لمشروع تدميري لا يقل خطراً عن أي تهديد آخر يواجه السودان.

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى