مقالات الظهيرة

زر السيادة: لماذا أطلق بنك السودان رصاصة الرحمة على العسجد؟

الدكتور محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

القراءة الأولى :

*زر السيادة: لماذا أطلق بنك السودان رصاصة الرحمة على العسجد؟*

بعد مراجعة أوضاع الشركة .. بنك السودان يعلن رسمياً إلغاء تصديق شركة العسجد

 

في تطور سيادي لافت، أعلن بنك السودان المركزي إلغاء التصديق الممنوح لشركة العسجد للحلول الذكية والرقمية لمزاولة نشاط محول المعاملات المالية. والقرار ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل هو تصحيح لمسار أمن قومي كاد أن ينزلق من بوابة التقنية إلى فخ الاستئجار السيادي. ولقراءة القرار قراءة اقتصادية فنية منهجية، لا بد من وضعه في إطار معادلة الصفر الكبير التي تحكم الاقتصاد السوداني اليوم، وهي معادلة تقوم على إيراد سيادي سنوي لا يتجاوز مائة وثمانين مليون دولار مقابل كلفة تشغيل للدولة تبلغ أربعة مليارات وستمائة مليون دولار. وفي ظل هذه الهشاشة المالية، يصبح أي خطأ في إدارة البنية التحتية النقدية كافياً لإحداث انهيار شامل بلا طلقة واحدة.

 

المدخل التحليلى الأول يقوم على تقدير حجم التدفق الذي كان سيمر عبر المحول الخاص. وبحسب نشرة بنك السودان المركزي لشهر مايو 2026م، بلغت قيمة المعاملات عبر المحافظ الإلكترونية مائتين وستة وستين مليون دولار شهرياً، أي ثلاثة مليارات ومائتي مليون دولار سنوياً. وهذا الرقم يعادل ثمانية عشر ضعف الإيراد السيادي للدولة. أي أن تسليم إدارة هذا التدفق إلى جهة خاصة يعني عملياً تسليم مفاتيح الخزينة السيادية إلى خارج جهاز الدولة.

والتحليل الفني المالي يبين أن أي محول بهذا الحجم ولم يخضع لخصم ضريبي آلي بنسبة اثنين بالمائة على التحويلات التي تتجاوز خمسين ألف جنيه، كان سيهرب من وعاء الجباية مبلغاً يقدر بستة وأربعين مليون دولار سنوياً كحد أدنى، وهو ما يساوي ربع الإيراد السيادي الفعلي للدولة. وعليه فإن قرار الإلغاء قد أغلق نافذة نزيف سيادي كان وشيكاً، وحمى المواطن من احتكار رسوم التحويل مستقبلاً، لأن ترك السوق لمشغل وحيد كان سيعني رفع الكلفة دون رقابة.

 

المدخل الثاني يتعلق بسعر الصرف وآلية التسعير. كان السعر الرسمي للدولار عند ستمائة وعشرين جنيهاً، بينما تجاوز السعر الموازي خمسة آلاف جنيه. وهذه الفجوة التي تتجاوز ثمانية أضعاف تعني أن أي محول خاص غير خاضع لسيطرة بنك السودان الكاملة سيتحول تلقائياً إلى مرجعية تسعير للسوق الموازي من داخل المنصة نفسها. والتحليل الفني يقول إن احتكار البيانات اللحظية للتحويلات يمنح المشغل قدرة غير مسبوقة على توجيه توقعات السوق، ومن ثم خلق أزمات سيولة مصطنعة أو فائض وهمي. وقد أظهرت تجربة المنصات العالمية أن احتكار البيانات المالية يتحول سريعاً إلى احتكار قرار اقتصادي. لذلك جاء قرار الإلغاء ليحبط محاولة تأسيس دولة داخل الدولة تملك زر السيولة.

 

المدخل الثالث هو بعد السيادة التقنية والقانونية معاً. كانت شركة العسجد قد وقعت اتفاق تعاون استراتيجي مع شركة مصرية هي بنك إن بوكس لبناء محول مركزي سوداني، وهو ما يثير تساؤلاً فنياً جوهرياً حول مكان استضافة الخوادم والكود المصدري والنسخ الاحتياطي. ومن يملك الخادم يملك القدرة على تجميد حساب وزارة أو بنك أو ولاية بضغطة واحدة. والتحليل الأمني الاقتصادي يبين أن تركيز كل المدفوعات في جهة خاصة واحدة يرفع معامل الهشاشة السيبرانية إلى مستويات حرجة، لأن الاختراق الواحد سيعني تسريب بيانات ملايين العملاء وانهيار الثقة في النظام المصرفي كله. وقد أكدت السوابق العالمية أن شركة أمازون أوقفت برنامج إقراضها الداخلي بقيمة مائة وأربعين مليار دولار فجأة في 2024م، فما بالنا بدولة تعيش معادلة الصفر الكبير.

وهنا يبرز البعد التشريعي، فلا دولة محترمة تمنح رخصة محول قومي قبل صدور قانون لحماية البيانات السيادية يحدد مكان الاستضافة وملكية الكود. وتجربة الهند مع نظام UPI وتجربة روسيا مع نظام MIR تؤكدان أن السيادة الرقمية تبدأ بتشريع، لا بتصديق.

 

أما المدخل الرابع فهو مدخل الكفاءة المؤسسية والبديل الوطني. رصد ديوان الخدمة المدنية هجرة أربعة آلاف ومائتي كادر مالي ومحاسبي خلال عامين، مما أضعف القدرة الداخلية على بناء محول وطني. وكان المنطق الاقتصادي السليم يقتضي معالجة عجز شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS الذراع التقني لبنك السودان منذ 1999م، بدل استبدالها بشركة خاصة هدفها الربح. والتحليل المالي المقارن يقول إن تكلفة إعادة تأهيل EBS وتحديث بنيتها التحتية تتراوح بين أربعين وستين مليون دولار، أي أقل من واحد ونصف بالمائة من حجم التدفق السنوي عبر المحول. وهذه كلفة سيادية مقبولة تماماً مقابل تفادي رهن تقني قد تصل فاتورة فكه مستقبلاً إلى مئات الملايين أو إلى توقف كامل للخدمة.

 

بناء على ما تقدم، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات مستقبلية. السيناريو الأول هو العودة إلى نقطة الصفر بإلغاء الرخصة دون بديل جاهز، وهو ما قد يدفع المواطنين إلى الهجرة للمحافظ الأجنبية وانهيار التجارة الرقمية. والسيناريو الثاني هو إعادة الهيكلة الذكية، ويقوم على تحويل شركة العسجد إلى مشغل من الباطن تحت مظلة EBS وبنك السودان، بعقد محدد المدة وسقف ربح ومراقبة فنية مباشرة، مع إلزامية استضافة البيانات داخل السودان فقط. وهذا السيناريو يحقق التوازن بين الشمولية والسيادة. والسيناريو الثالث هو التأميم الكامل وإسناد المحول حصرياً إلى EBS، وهو خيار سيادي صرف لكنه يحتاج إلى تمويل عاجل واستقطاب كفاءات.

 

وعليه فإن التوصيات الاستراتيجية يجب أن تصدر عن ثلاث جهات متكاملة.

أولاً بنك السودان المركزي بصفته السلطة النقدية، ويتوجب عليه نشر معايير منح التراخيص كاملة للرأي العام، وفرض خصم آلي بنسبة اثنين بالمائة على كل تحويل فوق خمسين ألف جنيه لصالح الخزينة العامة. ثانياً مجلس السيادة الانتقالي بصفته السلطة السيادية العليا، ويتوجب عليه إصدار مرسوم يصنف المحول المالي كبنية تحتية حيوية للأمن القومي ويحظر استضافة بياناته خارج السودان، وإقرار قانون حماية البيانات السيادية فوراً.

ثالثاً النائب العام، ويتوجب عليه إصدار قرار تجريم التحويل خارج المحول الوطني فوق مائة ألف جنيه باعتباره تهديداً للأمن القومي. أما التنفيذ فيقع على عاتق EBS كمشغل وطني رئيسي، وغرفة عمليات الأمن الاقتصادي السوداني الرقمي التي يجب إنشاؤها فوراً وترتبط بالمحول لحظياً وترفع تقريراً أسبوعياً لمجلس السيادة.

 

وفي الخاتمة، فإن إلغاء تصديق العسجد ليس تراجعاً عن الشمول المالي، بل هو حماية للشمول من فخ الاستئجار. فالسودان لا يحتاج إلى محول أسرع فقط، بل إلى محول أملك. محول يعمل للخزينة العامة لا للربح الخاص، ويعمل للجنيه السوداني لا للدولار الموازي، ويعمل للأمن القومي السوداني لا للبيانات الأجنبية. إن القاعدة الذهبية تقول إن من يملك المحول يملك القرار، ومن يملك القرار في زمن الصفر الكبير يملك مصير الوطن. وإن التاريخ لن يسأل هل كانت المنصة سريعة، بل سيسأل من كان يمسك بزرها يوم انهار الجنيه. وقد جاء قرار بنك السودان ليؤكد أن السيادة تسبق السرعة، وأن الوطن لا يؤجر بالتقسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى