أزمة المحولات… وثيقة تأسيسية لاقتصاد رقمي سيادي سوداني

الدكتور /محمد عوض متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
يكتب
القراءة الثالثة:
أزمة المحولات… وثيقة تأسيسية لاقتصاد رقمي سيادي سوداني
لم يكن قرار بنك السودان المركزي بإلغاء ترخيص شركة “عسجد” في نهاية المطاف استجابة لخطأ تقني، ولا نتيجة لمراجعة إجرائية داخلية. بل كان انصياعا صريحا لتوجيهات واضحة ومحددة صدرت عن الأجهزة الأمنية والرقابية للدولة.
وهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بأن ملف المحولات المالية الخاصة قد تجاوز عتبة التنظيم المصرفي، ودخل مباشرة في مربع الأمن القومي الاقتصادي.
إن إلغاء الترخيص جاء بعد أن بلغت التجربة نقطة اللاعودة إعلامياََ.
فقد حولت الشركة حدث منحها الترخيص إلى مهرجان ضوئي وصخب إعلامي كشف حجم الطموح الحقي خلف المشروع. ومن هنا بدأت اللحظة الحرجة. لأن الضجيج الإعلامي كسر جدار الصمت المؤسسي، وأجبر الدولة على أن تقرأ المشروع قراءة مفتوحة، لا قراءة فنية مغلقة.
والحقيقة التي لا يجوز تجاوزها هي أن القرار لم يكن فنيا ولا إداريا في جوهره، بل كان قرارا أمنيا سياسيا بامتياز.
فالبنك المركزي نفسه منح الترخيص بعلم وموافقة الجهات ذات الصلة، وبعد أن قدمت للشركة دراسة جدوى أعدها خبراء مصرفيون وتقنيون سابقون.
أي أن الدولة كانت شريكة في لحظة التأسيس، ثم اضطرت لأن تكون خصما في لحظة الإلغاء. وهذا التناقض هو جوهر الأزمة، وهو ما يضع إدارة البنك المركزي الآن في موقف حرج لا تحسد عليه. فكيف تمنح ترخيصا اليوم، ثم تبني قرار الإلغاء غدا على ذات الشروط الفنية والقانونية التي تجاوزتها بالأمس؟ وكيف تعلن عن مراجعة شاملة لكل التراخيص السابقة للمحولات الخاصة، وكأن الاعتراف بالخلل البنيوي قد أصبح أمرا واقعا لا يمكن إنكاره؟
عند تحليل الخطأين القاتلين اللذين ارتكبتهما الشركة، يتضح أن المسألة لم تكن خطأ إداريا بسيطا، بل خطأ استراتيجيا في قراءة بيئة السيادة.
الخطأ الأول كان رفع سقف الاحتفاء إلى درجة كسرت حاجز التحفظ المؤسسي.
فحين تحول منح الترخيص إلى عرض إعلامي مكشوف، سقطت ورقة التوت عن حجم النفوذ الذي كانت الشركة تطمح إلى حيازته. والخطأ الثاني كان أخطر، وهو استخدام مصطلح “المحول القومي” في خطابها الإعلامي.
وهذا المصطلح ليس لفظا تقنيا، بل هو مفهوم سيادي. فالمحول القومي في أغلب دول العالم هو امتياز حصري للبنك المركزي، لأنه العمود الفقري لربط الجهاز المصرفي كله. وعندما أعلنت شركة حديثة العهد أنها تدشن محولا قوميا، فإنها لم تعلن عن خدمة، بل أعلنت عن منازعة في السيادة. وهنا تدخلت الأجهزة الأمنية، لأن الخطر لم يعد اقتصاديا، بل أصبح وجوديا.
إن ضجيج اليومين الماضيين لم يحرق الترخيص فقط، بل أحرق المشروع برمته، وطوى صفحة المحول الخاص الذي استوردته الشركة.
والسؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه الآن هو: ما مصير هذه البنية التحتية التقنية؟
هل ستعاد بيعها لجهة وطنية مؤهلة داخل السودان، أم ستعاد شحنها إلى بلد المنشأ؟
وهذا السؤال لا يحتمل التأجيل، لأن ترك الأصول التقنية بلا تصرف سيادي واضح يفتح بابا لتهريب القدرات أو إعادة تدويرها خارج إطار الدولة.
إن هذه الواقعة تكشف عن ثلاث حقائق استراتيجية يجب تثبيتها في الذاكرة الاقتصادية الامنية للدولة السودانية.
الحقيقة الأولى تتعلق بطبيعة السيادة في الاقتصاد الرقمي. فالسيادة لم تعد تعني فقط الحدود والعملة والجيش، بل تعني من يملك مفاتيح تدفق البيانات المالية اللحظية. ومن يملك بيانات التحويل يملك القدرة على صناعة السعر، وتوجيه السيولة، وكشف هيكل الطلب الكلي قبل أن تصل المعلومة إلى البنك المركزي. وهذا يعني أن أي محول خاص بحجم ثلاثة مليارات ومائتي مليون دولار سنويا، ليس شركة خدمات، بل هو سلطة موازية للبنك المركزي.
الحقيقة الثانية هي أن الاقتصاد السوداني يعيش في حالة هشاشة هيكلية تجعل أي تسرب رقمي يعادل تسربا نقديا. فمع وجود فجوة سعرية تتجاوز ثمانية أضعاف بين السعر الرسمي والسعر الموازي، فإن أي قناة تحويل خارج غرفة المقاصة الوطنية تتحول فورا إلى آلة تسعير موازية. وهنا ينهار معامل فاعلية السياسة النقدية، وتصبح أدوات البنك المركزي بلا أثر، لأن السوق يتحرك قبل أن يتحرك القرار.
الحقيقة الثالثة تتعلق بالعقل البشري للدولة. فمغادرة أربعة آلاف ومائتي كادر متخصص في المالية والتقنية والمحاسبة خلال عامين، لا تعني فقط نزيف عقول، بل تعني تفريغ مؤسسات الدولة من القدرة على الرقابة والتشغيل والصيانة. وعندما تغيب العقول الوطنية، تصبح البنية الرقمية جسدا بلا عقل، عرضة للاختراق أو العطل أو الاستحواذ.
من هنا، فإن قراءة المستقبل تفرض ثلاثة مسارات لا رابع لها.
المسار الأول هو مسار الفوضى المنظمة، وفيه تترك الدولة الباب مفتوحا للمحولات الخاصة دون ضوابط سيادية صارمة. والنتيجة الحتمية هي تشكل سوق رقمي مواز خلال تسعين يوما، يعمل خارج سلطة البنك المركزي، ويفرض أمرا واقعا يصعب تفكيكه لاحقا.
المسار الثاني هو مسار الشراكة المشروطة، وفيه تسمح الدولة بوجود محولات خاصة تحت سقف سيادي محكم، بعقد زمني محدد، وهامش ربح لا يتجاوز واحدا بالمائة، وخادم رئيس داخل الأراضي السودانية، وربط لحظي كامل مع غرفة المقاصة الوطنية. وهذا المسار يحفظ الكفاءة التقنية ويمنع احتكار السيادة.
المسار الثالث هو مسار الاستعادة السيادية الكاملة، وفيه تتجه الدولة إلى تمويل تحديث غرفة المقاصة الوطنية بمبلغ يتراوح بين أربعين وستين مليون دولار، وهو ما لا يتجاوز واحدا ونصف بالمائة من حجم التحويلات السنوية. وهذا الخيار هو الأعلى كلفة ابتداء، والأقل كلفة استراتيجيا على المدى البعيد، لأنه يعيد للدولة مفاتيح الحساب، ومن يملك الحساب يملك القرار.
وعليه، فإن المطلوب الآن ليس بيان إعلامي، بل حزمة قرارات سيادية عاجلة. أولها أن يصدر بنك السودان المركزي خلال ثلاثين يوما لائحة تراخيص جديدة للمحولات الخاصة، واضحة الشروط، صارمة الرقابة، ملزمة بالربط اللحظي. وثانيها أن يصدر مجلس السيادة قرارا يصنف البنية التحتية للمقاصة المالية ضمن البنى الحيوية للدولة، ويجرم أي تحويل خارجها يتجاوز مائة ألف جنيه. وثالثها أن تفتح النيابة العامة مسارا قانونيا لكل محاولة إنشاء قناة تحويل موازية. ورابعها أن تتحول غرفة المقاصة الوطنية إلى الذراع السيادي للتحصيل، مع إنشاء وحدة أمن اقتصادي رقمي ترفع تقريرا أسبوعيا إلى مجلس السيادة.
إن إلغاء ترخيص “عسجد” لم يكن نهاية قصة، بل كان بداية وعي. فقد أثبت أن السيادة في القرن الحادي والعشرين تبدأ من سطر شفرة، وتنتهي عند خادم داخل الحدود. ومن يفرط في المقاصة، يفرط في الميزانية، ومن يفرط في الميزانية، يفرط في الوطن. ولهذا كان تدخل الأجهزة الاقتصادية الأمنية حتميا، لأن المسألة لم تعد اقتصادا، بل صارت أمن دولة.
وعليه، ينبغي للدولة أن تعلن قاعدة السيادة الرقمية السودانية، وهي قاعدة لا تحتمل التأويل. وتنص على أن أي بنية تحتية مالية رقمية تتعامل مع حجم تحويلات يتجاوز واحدا بالمائة من الناتج السيادي، أو تؤثر على سعر الصرف الرسمي، هي بنية حيوية سيادية. ولا يجوز منح ترخيصها إلا بقرار من مجلس السيادة، وخادمها داخل الحدود، وكود مصدرها مملوك للدولة، وربطها لحظيا مع غرفة المقاصة الوطنية. فمن لا يملك الكود لا يملك القرار، ومن لا يملك الخادم لا يملك السيادة.



