المقاصة والسيادة… حين يصبح الحساب قرار دولة!!

الدكتور/ محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
يكتب
القراءة الثانية: المقاصة والسيادة… حين يصبح الحساب قرار دولة
لم يكن قرار بنك السودان المركزي بإلغاء ترخيص شركة العسجد إجراء مصرفياً عابراً، بل كان تدخلاً سيادياً استباقياً في قلب معادلة الأمن الاقتصادي القومي.
لأن المسألة لم تعد تتعلق بشركة تقدم خدمة تقنية، بل بكيان كان على وشك حيازة مفاتيح تدفق نقدي سنوي يقدر بثلاثة مليارات ومائتين مليون دولار، وهو رقم يعادل ثمانية عشر ضعف الإيراد السيادي للدولة. وفي علم الاقتصاد الكلي، من يتحكم في هذا الحجم من المعاملات يتحكم ضمناً في مستوى الأسعار وسعر الصرف وفاعلية أدوات البنك المركزي نفسه.
عند النزول إلى الاقتصاد الجزئي، تتضح صورة الخطر. فقد بلغ حجم التحويلات الشهرية عبر القنوات الخاصة مائتين وستة وستين مليون دولار، وفي بيئة سعر صرف رسمي عند ستمائة وعشرين جنيهاً يقابله سعر موازٍ يتجاوز خمسة آلاف جنيه، تصبح كل حوالة أداة تسعير مباشر. البيانات اللحظية للتحويلات هي معلومة تسويقية، ومن يسبق إلى المعلومة يسبق إلى السوق، ومن يسبق إلى السوق يصنع فجوة سعرية قبل أن تفتح غرفة العمليات المصرفية شاشتها.
التقدير القياسي الأولي يشير إلى أن معامل الارتباط بين اتساع حجم التبادل خارج غرفة المقاصة الوطنية EBS وتراجع كفاءة السياسة النقدية يبلغ 0.73. وترجمته العملية أن كل زيادة بنسبة عشرة بالمائة في المعاملات خارج المنظومة الوطنية، تقابلها خسارة في فاعلية أدوات البنك المركزي بنسبة سبعة بالمائة تقريباً. وعندما تضعف أدوات السوق المفتوح، يتصاعد الطلب على النقد الأجنبي، ويتسع العجز في الميزان، وتنعكس الموجة على أسعار السلع المستوردة.
ولتفعيل البعد الاستباقي، ينبغي ربط المنظومة بمؤشر إنذار مبكر سيادي يقاس شهرياً. ويتكون المؤشر من ثلاثة متغيرات حرجة، هي نسبة المعاملات خارج المقاصة الوطنية إلى إجمالي المعاملات، واتساع فجوة السعر بين الرسمي والموازي، ومعدل توقف النظام. فإذا تجاوزت النسبة الأولى 15%، أو اتسعت الفجوة الثانية إلى أكثر من عشرة أضعاف، أو ارتفع المعدل الثالث إلى ساعتين شهرياً، فإن ذلك يستدعي تفعيل خطة طوارئ سيادية فوراً دون انتظار تقارير فصلية. لأن من يملك المقاصة يملك الحساب، ومن يملك الحساب يملك القرار.
البعد المالي العام لا يقل خطورة. فاقتطاع آلي بنسبة اثنين بالمائة من الحوالات التي تتجاوز خمسين ألف جنيه كان سيوفر للدولة ستة وأربعين مليون دولار سنوياً، أي ربع الإيراد السيادي المعلن. وهذا المبلغ يعادل رواتب ثلاثين ألف معلم لستة أشهر، أو تأمين وقود محطات الكهرباء في أربع ولايات لعام كامل. وتأخير شهر واحد يكلف الخزينة 3.8 مليون دولار ويرفع احتمال تشكل تسعير موازٍ بنسبة 12%.
وهناك بعد ثالث يتعلق برأس المال البشري. فقد أشارت وثائق ديوان الخدمة المدنية إلى مغادرة أربعة آلاف ومائتي مختص في المجالات المالية والتقنية والمحاسبية خلال عامين. وعندما تفرغ المؤسسات من العقول التي تكتب الشفرة وتراقب الخوادم، يبقى النظام مفتوحاً أمام أعطال التشغيل أو الاختراق.
بناء على هذه المعطيات، تنحصر المسارات المستقبلية في ثلاثة خيارات. الأول ترك الباب مفتوحاً دون ضوابط فيتشكل سوق رقمي موازٍ خلال تسعين يوماً. والثاني شراكة منضبطة بعقد محدد المدة وهامش ربح لا يتجاوز واحد بالمائة وخادم داخل الأراضي السودانية وربط لحظي مع EBS. والثالث استعادة سيادية كاملة بتمويل بين أربعين وستين مليون دولار لتحديث EBS، وهو مبلغ لا يتجاوز واحد ونصف بالمائة من حجم التبادل السنوي.
وعليه، فإن حزمة التحرك المطلوبة يجب أن تصدر عن بنك السودان المركزي خلال ثلاثين يوماً بضوابط ترخيص واضحة واقتطاع آلي ملزم. وعن مجلس السيادة بقرار يصنف المقاصة المالية ضمن البنى الحيوية ويجرم أي تحويل خارج المنظومة يتجاوز مائة ألف جنيه. وعن النيابة العامة بمسار مساءلة على أي كيان يسعى إلى إنشاء قناة موازية. أما EBS فيتحول إلى الذراع الوطنية للمقاصة مع إنشاء وحدة أمن اقتصادي رقمي ترفع تقريراً أسبوعياً إلى مجلس السيادة.
في المحصلة، إيقاف العسجد لم يكن إلغاء رخصة، بل كان إعادة رسم لخط السيادة. لأن السيادة في 2026م لم تعد حدوداً جغرافية فقط، بل سطر شفرة وخادم داخل البلد وقرار يمنع أن يصبح سعر رغيف المواطن رهينة لدى تطبيق لا يخضع للسؤال.
ولهذا جاء قرار بنك السودان الآن، قبل أن يقال إن السودان باع مفاتيح مقاصته واشترى أزمته.



