مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب….الإضينــة!!

*فى عمق العامية السودانية تقبع مفردات تحمل تشريحاً نفسياً واجتماعياً فائق الدقة ولعل أبرزها مصطلح (الإضينة) هذه اللفظة المشتقة شعبياً من الأذن لا تصف مجرد عضوٍ حسى بل تلخص نمطاً شخصياً وسلوكياً لافتاً فالإضينة فى المفهوم السودانى هو ذلك الشخص السهل الانقياد الذى يفتقر إلى البوصلة الداخلية والصلابة النفسية اللازمة لاتخاذ قراراته بنفسه ليكون بمثابة المركب بلا شراع تحركه أمواج الآخرين كيفما تشاء وتكمن المأساة الكبرى فة تركيبة (الأضينة) النفسية في كونه يرى العالم ويسمعه من خلال عيون وآذان الآخرين لا من خلال عقله إنه يفتقر إلى مهارة التفكير النقدى ويعانى من هشاشة داخلية تجعله يخشى المواجهة ويفضل السلامة الزائفة بالتبعية المطلقة هذا الضعف فى اتخاذ القرارات يجعله دوماً فى حالة بحث عن وصى يملى عليه ما يفعل ظناً منه أن تسليم قياده للآخرين يعفيه من مسؤولية الخطأ وتبعات الاختيار*.

*والأخطر من ذلك أن الإضينة يمثل البيئة الخصبة والتربة المثالية لنمو الوشايات ونقل القيل والقال فهو لا يكتفى بالاستماع بل يتأثر عاطفياً وسلوكياً بكل ما يُلقى في مسامعه من تدبير وضغائن دون تمحيص أو تفكير يكفى أن يهمس فى أذنه واشٍ بحديث عابر لتنقلب قناعاته رأساً على عقب وليتحول حلفاء الأمس فى نظره إلى أعداء اليوم بناءً على كلمات لم تكلف صاحبها سوى تحريك لسانه وتتجاوز ظاهرة الإضينة حدود العلاقات الشخصية الضيقة لتلقى بظلالها على بيئات العمل والمؤسسات فعندما يتقلد شخص يحمل هذه الصفات منصباً إدارياً أو قيادياً يتحول مكان العمل إلى ساحة للمؤامرات والدسائس الفردية بدلاً من الإنتاج يصبح المعيار الحقيقى للقرب من هذا المسؤول ليس الكفاءة أو الإنجاز بل القدرة على صياغة الوشايات وإتقان فن المسكنة والهمس فى الآذان مما يؤدي إلى تدمير روح الفريق وإحباط الكفاءات الحقيقية*.

*أما على الصعيد الاجتماعى والأسرى فإن الإضينة غالباً ما يكون سبباً فى تفكك الروابط وهدم البيوت فعدم قدرته على وضع حد للتدخلات الخارجية وتأثره السريع بأحاديث الأقارب أو الأصدقاء وكلمة (علىّ بالطلاق) تجعله عاجزاً عن حماية خصوصية بيته وشريك حياته ناهيك عن المصلحة العامة وكم من علاقة إنسانية متينة عصف بها طرف أضينة سمح للقيل والقال أن يبنى جداراً من الجفاء والشك بينه وبين أقرب الناس إليه وتبدو هذه الظاهرة باعتبارها نتاجاً لأساليب تنشئة اجتماعية خاطئة تقوم على قمع استقلالية الفرد منذ الصغر وتعويده على التبعية العمياء إن التربية التى لا تشجع الطفل على إبداء رأيه أو مناقشة القرارات أو تحمل نتائج أخطائه تصنع منه مستقبلاً رجلاً أضينة يهاب الاستقلال ويسارع للاحتماء بآراء الجماعة أو الشخصيات المسيطرة فى محيطه تجنباً للمسؤولية*.

*إن علاج هذه المعضلة المجتمعية يبدأ من التوعية بضرورة فرز الأخبار وتمحيص ما نسمع وهو ما حث عليه الدين والموروث الأخلاقى الأصيل يحتاج المجتمع إلى إعادة الاعتبار لقيمة التبين وعدم الاعتماد على السمع كمصدر وحيد للحقيقة إن مواجهة الإضينة لا تكون بالشفقة عليه بل بدفعه نحو تحمل مسؤولية قراراته وإشعاره بأن التبعية الفكرية هى انتقاص حقيقى من إنسانيته وكرامته ويظل الإضينة عبئاً على نفسه وعلى مجتمعه وشخصية مأساوية تدفع ثمن أخطاء لم تخترها بنفسها إن القوة الحقيقية للإنسان لا تكمن في سعة مسامعه لاستقبال حديث الناس بل في مقدرة عقله على تصفية هذا الحديث وفى شجاعة قلبه على اتخاذ القرار الصحيح حتى لو كان وحيداً ولعل في تسمية العامية السودانية الذكية لهذا النمط تنبيهاً لكل منا بأن لا يجعل من أذنه مقوداً يُسلم به مصيره للآخرين*.

*لا تذهبوا بعيدا ففى خيال كل منا إضينة*

yassir. mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى