ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت)…. عودة جهاز المخابرات العامة…. ضرورة وطنية تمليها التحديات
*تأتى التطورات المتسارعة فى المشهد الأمنى الإقليمى والدولى لتؤكد أن قوة الدول وهيبتها ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى كفاءة وصلاحيات أجهزتها الاستخباراتية إن مراجعة القوانين المنظمة لعمل أجهزة الأمن فى دول العالم تكشف عن حقيقة ثابتة وهي أن الأمن القومى لا يمكن حمايته بأيدٍ مرتعشة أو بصلاحيات مكبلة بل يحتاج إلى مؤسسات تمتلك التفويض القانونى الكامل للتحرك الاستباقى ودرء المخاطر قبل وقوعها وهو ما يفسر اتجاه الدول نحو تعزيز البنية التشريعية لأجهزتها الأمنية لحماية مصالحها العليا.
وإذا ما نظرنا إلى القوى العظمى والإقليمية سنجد أن الأجهزة الاستخباراتية فيها تتمتع بصلاحيات واسعة النطاق وغير قابلة للتقييد فالولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على ذراعيها القويين وكالة المخابرات المركزية CIA ومكتب التحقيقات الفيدرالىFBI كما تحصن بريطانيا وروسيا أمنهما القومى بجهازى مخابرات يمتلكان نفوذاً هائلاً ناهيك عن المخابرات المصرية والموساد وهي أجهزة تتحرك بمرونة وصلاحيات تنفيذية كبرى لحماية أمن بلدانها من أى مهددات مما يثبت أن الصلاحيات الواسعة ليست استثناءً بل هى الأصل فى عالم المخابرات*.
*وفي السياق السودانى لا يمكن قراءة دور جهاز الأمن والمخابرات العامة بمعزل عن التركيبة الدستورية التاريخية للبلاد فالمنظومة الأمنية في السودان ترتكز وفقاً للدستور المنصوص عليه قبل تجميده على أضلاع ثلاثة متكاملة لا غنى لأحدها عن الآخر حيث تبرز القوات المسلحة كضلع أول يتولى حماية الحدود وحراسة الدستور بينما تضطلع الشرطة بدور الضلع الثانى المعنى بمنع الجريمة ومكافحتها داخلياً قبل وأثناء وبعد وقوعها لحماية المواطن ليمثل جهاز الأمن الضلع الثالث المكمل لعقد الاستقرار الوطنى ويتجلى دور جهاز الأمن والمخابرات العامة كضلع ثالث في قيامه بأوجب واجباته الوطنية والمتمثلة في رصد وتفكيك المهددات الأمنية المعقدة سواء كانت داخلية تستهدف النسيج الإجتماعى والسياسى أو خارجية تسعى لانتهاك السيادة الوطنية إن طبيعة هذه المهددات العابرة للحدود والمتداخلة مع الجريمة المنظمة والإرهاب تتطلب من الجهاز عيناً ساهرة وقدرة على التحرك السريع وهو ما لا يتأتى إلا بوجود غطاء قانونى يمنحه آليات الفحص والتحرى والتحفظ لضمان سلامة الدولة ومؤسساتها*.
*إلا أن مسيرة هذا الجهاز الوطنى تعرضت لانتكاسة كبرى فى إطار تجاذبات المشهد السياسى خلال الفترة الانتقالية الماضية حيث تم اتخاذ قرار بحل هيئة العمليات وهو القرار الذي يمكن وصفه بمثابة وقف لقلب جهاز الأمن النابض. لقد تسبب حل هذه الهيئة إلى جانب تحجيم الجهاز ونزع بعض صلاحياته الأساسية فى إضعاف القدرة التنفيذية والميدانية للمؤسسة الأمنية مما ترك فراغاً كبيراً استغلته القوى المتربصة بأمن البلاد واستقرارها ولم يتوقف الأمر عند حدود نزع الصلاحيات القانونية بل تحول التقليل من هيبة الجهاز واستهدافه الإعلامى والمعنوى من
قبل بعض السياسيين والناشطين إلى جزء أساسى من البرنامج الممنهج لبعض الأحزاب السياسية لقد ساهمت تلك الحملات في إضعاف الردع الأمنى وتشويه صورة المؤسسة السيادية مما أدى إلى إضعاف الجبهة الداخلية وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية والتضحية بالأمن القومى في سوق المزايدات السياسية الضيقة*.
*وأمام هذا الواقع المرير الذى تعيشه البلاد يصبح الآن إعادة كافة الصلاحيات لجهاز الأمن والمخابرات العامة بموجب القانون الجديد بمثابة فرض عين تمليه الضرورة الوطنية القصوى ولا يحتمل التأجيل إن خطورة المرحلة الحالية تتجاوز الخلافات السياسية لتلامس قضية الوجود الوطنى مما يوجب على صانع القرار تمكين الجهاز وإعادة أدواته القانونية والتنفيذية كاملة ليكون قادراً على مواجهة المخططات التدميرية وتأمين البلاد في هذه المرحلة الحرجة ويمكن القول أنه لو كانت الأمور والصلاحيات
كاملة بيد جهاز الأمن والمخابرات فى الفترات السابقة ولم يتم تكبيله وإضعافه لما آلت الأمور فى السودان إلى ما يجرى الآن من حرب مدمرة وانفراط فى عقد الأمن لقد أثبتت التجربة القاسية أن غياب الصلاحيات التنفيذية للجهاز الاستخبارى قد منح الضوء الأخضر للمهددات الأمنية لتنمو وتستفحل حتى وصلت إلى مرحلة المواجهة المسلحة التى دفعت البلاد ثمنها غالياً*.
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
*إن عودة جهاز الأمن والمخابرات العامة للعمل بكامل صلاحياته الدستورية والقانونية لا ينبغى أن تُفهم كخطوة ارتدادية بل هى خطوة استراتيجية فى طريق التعافى الشامل لبلد أنهكته الصراعات إن استعادة هيبة وقوة الجهاز هى الرافعة الأساسية لتحقيق التعافى الأمنى الذى سيمهد بدوره الطريق للتعافى الإقتصادى والسياسى والإجتماعى ويعيد للسودان استقراره وهيبته بين الأمم كدولة قوية قادرة على حماية شعبها ومقدراتها*.
ربــــــــــع شـــــــوكة
*لا بديل لجهاز الأمن والمخابرات العامة إلا جهاز الأمن والمخابرات العامة*.
yassir.Mohammed@gmail.com



