الأخبار العالمية

معرفات رقمية الكترونية تعمل بالذكاء الاصطناعي عبر شبكات منفصلة.. جيوش سيبرانية.. مخطط إماراتي لتزييف “حقائق” حرب السودان

الظهيرة – تقرير – عثمان عبد الهادي:

​تُدير دولة الإمارات العربية المتحدة مخططاً إعلامياً ممنهجاً يهدف إلى تزييف الوعي العام وتبييض جرائم مليشيا الدعم السريع.

ويكشف تتبع تقني لحركة أكثر من 27 ألف حساب زائف وبوت، عن كيفية تطويع الفضاء الرقمي وتوجيه المنصات لتشتيت الأنظار عن الفظائع والانتهاكات العرقية، مع محاولة إلصاق التهم بالجيش الوطني.

وتقوم الاستراتيجية الإماراتية على بث سرديات منسقة عبر مواقع وهمية مجهزة لتسميم محركات البحث وتوجيه الرأي العام الدولي والمحلي لحماية مصالح أبوظبي وحلفائها الإقليميين.

​■ رصد الجيوش السيبرانية

​تُثبت البيانات المتقاطعة وجود ثلاث شبكات منفصلة واسعة النطاق من البوتات والحسابات الدمية المنسقة والموجهة بشكل جماعي من قبل أجهزة ومؤثرين مرتبطين بالإمارات.

وتضم هذه البنية الرقمية المعقدة ما يزيد عن سبعة وعشرين ألف حساب زائف تدار عبر آليات تقنية مركبة، تخصصت في إنتاج وبث مئات الآلاف من التدوينات والتغريدات بهدف تغيير بوصلة الرأي العام وإعادة صياغة الوعي الجمعي الإقليمي والدولي لحساب فصائل عسكرية محددة. وتنشط هذه المنصات بعدة لغات حيوية تشمل العربية، والإنجليزية، والفرنسية, والتركية، والفارسية.

لضمان اتساع رقعة التأثير الجغرافي والوصول إلى مختلف الجماهير وصناع القرار.

ويؤكد هذا الرصد التقني أن هذه الجيوش الإلكترونية ليست حراكاً عفوياً أو تضامناً شعبياً تلقائياً، بل هي نتاج تخطيط إماراتي دقيق لخدمة أهداف جيوسياسية واضحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع التركيز على الملف السوداني.

​■ تزييف السجل الجنائي

​تتعمد السرديات الإعلامية والمحتوى المكثف المبثوث عبر هذه الحسابات الدموية غسيل وتبييض السجل الجنائي الإنساني لمليشيا الدعم السريع بصورة فجة تنفيذاً لسياسات أبوظبي.

إذ يسعى هذا التوجيه إلى تقديم المليشيا ككيان مدني وإنساني يطالب بإقرار السلام، وفي المقابل، تتضمن هذه الحملات تبرئة ساحة المليشيا من كافة أعمال العنف الممنهجة، والتطهير العرقي، والمجازر الكارثية التي ارتكبتها بحق المدنيين العزل في دارفور وبقية ولايات السودان.

وتمارس هذه الجيوش الإلكترونية تكتيكاً ثابتاً يعتمد على التزييف الكامل والدائم للمسؤولية عن الجرائم الإنسانية والكوارث الاقتصادية الناتجة عن الحرب؛ فبينما يعاني ملايين السودانيين من ويلات النزوح والتجويع المتعمد جراء الحصار والنهب، تعمد هذه الحسابات إلى نسب كافة الأضرار الإنسانية والمجاعة وعرقلة وصول الإغاثة بشكل حصري إلى القوات المسلحة السودانية وقيادتها لحجب الفاعل الحقيقي ميدانياً وصناعة ضبابية إعلامية مضللة.

​■ هندسة التنسيق الزائف

​يُظهر تحليل بنية الخطاب السياسي والدبلوماسي المنشور توافقاً كاملاً ومطلقاً بين مخرجات هذه الشبكات والتوجيهات الاستراتيجية والأجندات الخاصة بدولة الإمارات العربية المتحدة، مما يضعها تحت طائلة الإدانة الدولية بتهمة التدخل السافر لزعزعة استقرار السودان.

وتثبت التحليلات الإحصائية المتقاطعة لبيانات الحسابات المرصودة وجود سلوك تنسيق زائف متقن للغاية يقف وراءه غرف عمليات سيبرانية متطورة؛ ويظهر ذلك في التطابق والنزول الزمني الدقيق بنوافذ النشر وإطلاق التغريدات والتعليقات والردود وبث المحتويات في اللحظة نفسها وبأنماط اندفاعية مفاجئة.

إن رعاية هذا المخطط لم تقتصر على الدعم السياسي أو الدبلوماسي، بل امتدت لتشمل التمويل الضخم للبنية التحتية الرقمية، وتوفير أدوات الذكاء الاصطناعي، وإدارة برمجية مركزية موحدة للمنظومة بالكامل يتم التحكم فيها عن بعد لخدمة مصالح جيوسياسية خليجية.

​■ صناعة الواجهات الوهمية

​يتضح تورط أبوظبي في قيام المؤثرين الإقليميين المرتبطين بها بإنشاء وتأسيس مواقع إنترنت ومنصات إخبارية زائفة صممت بعناية فائقة؛ لتظهر في ظاهرها كمنصات مستقلة ونزيهة تحمل أسماءً غربية براقة مثل “نيويورك إنسايت” و”يورو بوست” لإضفاء مصداقية دولية كاذبة وتمرير البروباغندا الموالية للدعم السريع مع إبقاء المصدر الحقيقي والتمويل مجهولاً تماماً عن الأنظار.

ولم تعد حملات التضليل تعتمد على الحسابات الوهمية التقليدية الخالية من الملامح، بل انتقلت إلى دمج وإدراج شخصيات رقمية متكاملة ومصنوعة ومطورة بالكامل عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وتنشط شبكة منفصلة من الحسابات تضع صور ملفات شخصية لوجوه بشرية مولدة برمجياً بدقة فائقة لا وجود لها في الواقع، كُتبت لها سير ذاتية نمطية لإعطاء طابع إنساني موثوق يهدف لجذب المستخدمين الحقيقيين وجرهم لتبني ونشر السرديات الداعمة للمليشيا.

​■ اختراق الفضاء الرقمي

​فتحت التغييرات الهيكلية الأخيرة في قواعد حوكمة وسياسات منصة “إكس” الباب على مصراعيه للجهات الراعية للتضليل لتنفيذ حملاتها بأقل التكاليف وأعلى كفاءة انتشار.

واستغلت الشبكات الموجهة بنجاح تكتيكي أنظمة التوثيق مدفوعة الثمن وآليات التضخيم الخوارزمي، حيث قامت بشراء آلاف التوثيقات (العلامات الزرقاء) لحساباتها المزيفة لتمنحها أفضلية خوارزمية تضمن ظهور تدويناتها في مقدمة الردود ولدفع وسومها الموجهة إلى قائمة التداول اليومي (التريند). وتسعى هذه الجيوش والمنصات من خلال “البروباغندا مدفوعة الثمن” إلى اصطناع حالة من الإجماع العام الوهمي والحضور الزائف المؤيد لمليشيا الدعم السريع على الفضاء الرقمي، بهدف إغراق وحجب الأصوات الوطنية الحرة وتزييف إدراك المتلقي الخارجي للإيحاء بأن الشارع السوداني يبارك تحركات هذه المليشيا، مما يساهم مباشرة في تطبيع الإفلات من العقاب.

​■ تسميم مستودعات المعرفة

​يتجاوز الخطر حدود التأثير اللحظي على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ليصل إلى استهداف وتسميم مستودعات البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة (LLMs).

فمع تزايد اعتماد الأفراد، والباحثين، وصناع القرار على أدوات الذكاء الاصطناعي كبديل لمحركات البحث التقليدية، يؤدي الضخ الهائل للبروباغندا المكثفة إلى تلويث وتقويض تقنيات استرجاع البيانات المدعومة بالبحث (RAG) وتغذية مستودعات المعرفة البرمجية بهذه الروايات المفبركة لتبنيها آلياً. وتعمل هذه الشبكات المنظمة على نزع الطابع المحلي الداخلي عن حرب السودان وتأطيره ضمن صراعات المحاور الإقليمية الأوسع في منطقة الخليج العربي والقرن الإفريقي؛ حيث يحرص المحتوى المبثوث على تصوير الحرب كجزء من صراع دولي ضد النفوذ الإيراني أو التيارات الإسلامية، مروجة لإشاعات تدعي وجود تحالف عسكري بين الجيش السوداني وطهران لاستدرار عطف قوى دولية وغربية وتبرير التدخلات الخارجية والدعم العسكري واللوجستي المقدم للمليشيا.

​■ حجب الحقائق الميدانية

​يمتد الضرر الجسيم الكارثي لشبكات التضليل والبروباغندا الموجهة ليصل إلى الإضعاف المباشر والتقويض المتعمد لمسارات الوقاية الإنسانية، وحماية المدنيين، والاستجابة للأزمات الميدانية. ففي بيئات النزاع المسلح، تقوم هذه الشبكات المنسقة بإغراق نوافذ الأحداث الحساسة وساعات الحصار الحرجة بأطر مضادة وأكاذيب منضبطة، مما يؤدي إلى حجب إشارات الإنذار المبكر عن المجازر، وتشويه الحقائق المرتبطة بمسارات الإخلاء الآمنة.

وعرقلة جهود التوثيق الحقوقي الدقيق للانتهاكات. ويظهر هذا السلوك جلياً في أعقاب الاجتياح الوحشي لمدينة الفاشر وما صاحبه من عمليات قتل على أساس الهوية وعنف جنسي وثقته التقارير الأممية؛ حيث تحركت الآلة الإعلامية فوراً عبر إطلاق حملات وسوم منسقة تستهدف لفت الأنظار بعيداً عن الفظائع، ونشر صور وفيديوهات تزعم عودة الحياة إلى طبيعتها لطمس معالم التطهير العرقي عبر الإغراق الرقمي الاحتفالي المزيف.

​■ حماية اقتصاد الرعاية

​تستهدف الجيوش الإلكترونية وحملات التضليل الموجهة شن حرب رقمية شعواء وممنهجة لحجب، ومحاصرة، ومحاربة الصحافة الوطنية المستقلة والمنصات الإخبارية التي تنقل الحقائق من داخل المدن السودانية.

مستخدمة تقنيات البلاغات الجماعية ضد الحسابات الحقيقية لإنشاء جدار عازل يمنع وصول التقارير الصادقة للمجتمع الدولي.

ويتكامل هذا الدعم الإعلامي الرقمي بروابط بنيوية وثيقة مع شبكات اقتصاد الرعاية العابرة للحدود التي تديرها دولة الإمارات لتمويل العمليات العسكرية الميدانية للمليشيا؛ إذ إن إدماج المليشيا في المنظومة الأمنية والاقتصادية الإقليمية عبر تصدير الذهب والتحكم في الموارد المالية وفر المقومات اللازمة لاستمرار الحرب.

وجاءت الحملات الرقمية الموجهة كأداة لحماية هذه المصالح الاقتصادية والاستثمارية الحيوية لأبوظبي، عبر صناعة غطاء من الشرعية السياسية الزائفة يضمن بقاء تدفقات الأموال والشبكات اللوجستية بعيداً عن العقوبات الدولية والملاحقات القانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى