ابو عبيدة أحمد علي يكتب… ينجح الحوار حين يخلع السودانيون عباءة الحزبية ويرتدون عباءة الوطن

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
=================
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي
=================
رحم الله الخال الشريف عثمان الشريف عمر وجعل قبره روضة من رياض الجنة فقد كان رجلاً عُرف بالاعتدال، وسعة الأفق، والحرص على جمع الكلمة، وها هي ابنته الدكتورة شذى عثمان الشريف تمضي في ذات الطريق، فتفتح في القاهرة نافذة للحوار السوداني، وتجمع حول مائدتها قيادات حزبية، ونظاراً وقيادات أهلية، وقيادات صوفية، ومختصين وأكاديميين وشباباً ونساءً، لتضع قضية الحوار الوطني في موضعها الصحيح: قضية وطن لا قضية أحزاب.
والحق أن هذه اللفتة تستحق التحية؛ لأنها تضع يدها على جرح من أعمق جراحنا: كيف نتحاور على السودان، لا على نصيب كل منا من السودان؟
إنني أقولها كما قلتها دوماً: ركيزة الحوار الوطني هي أن ننزع عباءة الحزبية والجهوية الضيقة، وأن نرتدي عباءة الوطن الواسعة الفضفاضة.
فالعباءات الضيقة لا تجمع أمة، والمصالح الصغيرة لا تبني دولة، والانتصار للحزب أو الجهة أو الذات لا يمكن أن يكون انتصاراً للسودان.
إن كنا نحب الوطن حقاً، فعلينا أن نُعلي الوطن وقضاياه فوق المصلحة الشخصية، وأن ندرك أن السودان أكبر من أحزابه، وأوسع من جهاته، وأبقى من أفراده وقياداته.
الحوار الذي نحتاجه اليوم ليس مجلساً لتبادل الخطب، ولا منصة لتسجيل المواقف، ولا ساحة جديدة لتصفية الحسابات؛ وإنما هو حوار إنقاذ وطني، يتقدم فيه السودان على المتحاورين جميعاً، ويكون المواطن السوداني هو الغاية والميزان.
ولذلك فإن أول مطلوبات الحوار أن يأتي كل طرف وفي يده شيء من التواضع، وفي قلبه شيء من التجرد، وفي عقله يقين بأن أحداً لا يملك وحده كل الحقيقة، وأن الوطن لا يُبنى بعقل واحد، ولا برؤية فصيل واحد، ولا بإقصاء المختلف.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً حين ضاقت المساحات بين أبنائه، واتسعت المسافات بينهم، حتى وجد التدخل الخارجي أبواباً مفتوحة. وحين تضعف الجبهة الداخلية، يصبح الوطن أكثر عرضة للأطماع والتدخلات، ويصبح واجب السودانيين أن يستعيدوا زمام قضيتهم بأيديهم، وأن يجعلوا مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
واليوم لا يحتاج السودان إلى مزيد من إضاعة الوقت. يحتاج إلى رجال ونساء يضعون أيديهم على الجرح، لا على المكاسب؛ وإلى حوار صريح لا يخشى الحقيقة، ولا يتهرب من المسؤولية، ولا يجعل الاختلاف سبباً للخصومة الدائمة.
السودان الآن في غرفة الإنعاش، ووصفة شفائه الأولى هي التجرد ونكران الذات.
نحتاج إلى أن يسأل كل واحد منا نفسه قبل أن يسأل الآخر: ماذا قدمت للوطن؟ وماذا أستطيع أن أتنازل عنه من أجل أن يبقى الوطن؟ وأين تقف مصلحتي الخاصة عندما تتعارض مع مصلحة السودان؟
فإذا دخلنا الحوار بهذه الروح، أمكن أن تتحول الطاولة من ساحة لتباين المواقف إلى مائدة للبحث عن مخرج.
أما إذا دخلناها وكل واحد منا يحمل عباءة حزبه، وراية جهته، وحساباته الخاصة، فلن يكون الحوار إلا امتداداً للأزمة بوسائل أخرى.
إن السودان لا يحتاج إلى متحاورين يبحث كل منهم عن غلبة صوته؛ بل يحتاج إلى وطنيين يبحثون عن غلبة الوطن.
ومن هنا فإن مبادرة مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب، في جمع هذه المكونات المختلفة حول قضية الحوار، تستحق أن تُقرأ بوصفها دعوة إلى استعادة فضيلة اللقاء، وإلى فتح الطريق أمام حوار سوداني جاد وشامل، لا إقصاء فيه ولا وصاية عليه، ولا يكون الخارج فيه بديلاً عن الإرادة السودانية.
رحم الله الشريف عثمان الشريف عمر، ونوّر قبره وجعله روضة من رياض الجنة، وبارك في ابنته الدكتورة شذى وهي تحمل جانباً من إرث والدها في الاعتدال وجمع الكلمة.
ولعل أجمل ما نختم به أن نقول:
يا أهل السودان، اخلعوا عن الوطن عباءاتكم الضيقة، والبسوه عباءته الواسعة.
فالسودان أكبر من الحزب، وأكبر من الجهة، وأكبر من الفرد، وأكبر من كل خلاف.
فإن صدقت النوايا، وتجردت النفوس، وتعالت مصلحة الوطن فوق مصالح الأشخاص والجماعات، وجدنا مفتاح الباب الذي ظللنا طويلاً نبحث عنه في الظلام.
والله من وراء القصد.
رؤية وطنية — نكتب للوطن ونفكر للمستقبل



