مقالات الظهيرة

خنادق الوعي: كيف سقطت حرب التضليل في معمل الصمود السوداني؟!!

بقلم/د. إسماعيل الحكيم :

لم يعد خافياً أن المعارك المعاصرة تُدار على جبهتين لا تقل إحداهما خطورة عن الأخرى؛ جبهة يُدوي فيها الرصاص وتتحرك على أديمها الأرتال العسكرية، وأخرى خفية تُحاك في غرف مظلمة، وتُضخ عبر منصات وشاشات ومنصات رقمية تبتغي تشويه الوعي وزرع اليأس.

وفي هذا السياق، جاء الكشف الاستقصائي الذي أوردته وكالة الأناضول التركية وإن كان كذباً ..حول شبكة من ثمانية وستين موقعاً إعلامياً وممولة للإمارات، لتسلط الضوء على هندسة ممنهجة لتضليل الرأي العام السوداني، واستصناع الأزمات المعنوية، والنيل من الرمزية الوطنية المتمثلة في القوات المسلحة السودانية.

غير أن قراءة هذا المشهد بعيون فاحصة تتجاوز حدود الخبر العاجل إلى دلالاته الاستراتيجية، لتكشف عن مفارقة كبرى سقطت فيها دوائر التخطيط لتلك الشبكات؛ إذ اصطدمت حرب الشائعات بصلابة مجتمعية غير مسبوقة، وتحول الوعي الجمعي السوداني إلى درع واقٍ أحبط تلك المحاولات، ليأتي الميدان ببيانها العملي والناطق عبر بطولات القوات المسلحة في مسارح العمليات المختلفة.

إن تخصيص حزمة واسعة من المواقع والمنصات لتوظيفها في حرب نفسية موجهة ضد السودان، يعكس حجم القلق الذي تثيره استمرارية الدولة ومؤسساتها السيادية في نظر الخصوم. إذ لم تكن تلك المواقع العابرة للحدود تمارس عملاً صحفياً أو نقداً موضوعياً، ولكنها انخرطت في هندسة كراهية وتلفيق للروايات، محاولةً إحداث شرخ بين الشعب وجيشه، وتصوير المعركة باعتبارها صراع نفوذ لا معركة وجود وسيادة.

ولكن، عندما تُبنى الحكايات الإعلامية على أوهام الغرف المغلقة بمعزل عن نبض الشارع ووقائع الأرض، فإنها تفاعلياً تأتي بنتائج عكسية تماماً وعلى النقيض كذلك. لقد أدرك المواطن السوداني بفطرته ووعيه المبكر أن المعركة ليست عسكرية كلها، إنما هي حرب إرادات وهويات. ومن هنا، تحولت تلك المنصات المشبوهة في نظر الشارع السوداني إلى أدلة إدانة تنطق بسوء النية وتكشف عن الأجندات الخفية التي تضمر السوء لاستقرار البلاد ووحدتها.

كذلك أثبت الوعي الشعبي السوداني في هذه المحنة أنه أصلب من أن تُزعزعه قصاصات الأنباء المضللة أو الفبركات الرقمية الممنهجة. فعلى الرغم من ضراوة الهجمة الإعلامية والنفسية، لم تزد هذه الأساليب الشعب السوداني إلا تلاحماً والتفافاً حول مؤسسته العسكرية.

وهذا الثبات ليس وليد الصدفة، إنما هو ثمرة تاريخ طويل من الإدراك المتبادل لحساسية اللحظة التاريخية؛ فالسودانيون يدركون تمام الإدراك أن انهيار الجيش يعني تقويض آخر قلاع الاستقرار ومؤسسات الدولة الجامعة. ولذلك، سقطت استراتيجية الإنهاك المعنوي على صخرة الوعي الجمعي، ليتحول كل مواطن إلى حارس يقظ يفند الشائعة قبل أن تنتشر، ويستبدل اليأس الذي أُريد له أن يسود بيقين مطلق في حتمية الانتصار.

وفي الوقت الذي كانت فيه مطابخ التضليل تبث سمومها وتستجدي الانتصارات الوهمية عبر الفضاء الرقمي، كانت ساحات الوغى تقدم الرد الأبلغ والأطهر لغةً. فما تشهده ولايات كردفان الحبيبة اليوم من عمليات عسكرية دقيقة، وتطهير وتحرير للمناطق الاستراتيجية، جرى ويجري بصمت واحترافية عالية بعيداً عن صخب الدعاية الرخيصة والضوضاء الإعلامية. فإن هذا الأداء العسكري الرصين يجسد بوضوح عقيدة القوات المسلحة؛ بعمل دؤوب، وتخطيط استراتيجي محكم، وإنجاز على الأرض يتحدث عن نفسه دون حاجة لبهارج الكلام وزخارف القول . لقد خاب ظن المراهنين على إنهاك الجيش السوداني، وأثبت أبطاله في ميادين كردفان وغيرها من الثغور أنهم عند حسن ظن شعبهم، يحملون أرواحهم على أكفهم ليطهروا كل شبر دنسه التمرد أو حاصرتْه أباطيل الإعلام الموجه.

إن ما كشفته التقارير الاستقصائية الدولية والإقليمية لا يعدو كونه فصلاً جديداً من فصول الصراع الذي يُدار بالوكالة وعبر الأقلام المأجورة. غير أن الحقيقة الأبقى والأرسخ هي أن المعارك الحقيقية تُحسم في الختام بإرادة الشعوب وبسالة الميدان، لا بتغريدات الشاشات ولا بتمويل الغرف المظلمة.

لقد خرج السودان، شعباً وجيشاً، من أتون هذه التجربة القاسية بأكثر درجات المناعة الوطنية صلابة؛ فالتلاحم الفريد بين المؤسسة العسكرية واحتضان شعبها الأبي يعبّر عن معادلة صمود لن تُفلح كل أموال الدنيا ولا منصات التضليل في كسر شوكتها. والله أكبر ولا نامت أعين الجبناء…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى