مقالات الظهيرة

البنون زينة الحياة: رأس المال البشري الضائع في حرب الدواء والملاريا

قراءات استراتيجية

حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027م – 2037م”

 

المقال الخامس والأخير

 

*بقلم🖋️ الدكتور محمد عوض محمد متولي*

 

*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*

 

*سبتمبر 2026م*

_______________

 

حمداً لله على سلامة البروفيسور مأمون حميدة، فقد ختم شهادته “زيارتي لمستشفى علياء 2” بجملة قرآنية عظيمة هي مفتاح كل معادلات إعادة الإعمار: “البنون زينة الحياة الدنيا”. وهنا يتوقف المحلل الاستراتيجي ويقول إن المعركة الحقيقية ليست في السرير الذي رقد عليه البروفيسور ، ولا في الدواء الذي فشل، ولا في البعوض الذي تحور. المعركة الحقيقية هي في هذا “البنون” الذي هو رأس المال البشري الحقيقي للسودان. فإذا خسرنا البنون خسرنا الدولة، وإذا حافظنا عليهم ربحنا المستقبل كله. إن هذا المقال الختامي من “حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027-2037م” يربط بين كل ما سبق ويقول إن كل أزماتنا الصحية والاقتصادية هي في جوهرها أزمة استنزاف للإنسان السوداني.

 

إن الأرقام التي نملكها اليوم ترسم كارثة جيل كامل. وفق تقرير اليونيسيف الصادر في يوليو 2025م يعاني 3.2 مليون طفل سوداني من سوء التغذية الحاد، منهم 700 ألف في حالة سوء تغذية حاد وخيم. والدراسات الطبية المثبتة تقول إن سوء التغذية يخفض كفاءة الجهاز المناعي بنسبة 70%، ويحول أي إصابة ملاريا بسيطة إلى حالة قاتلة كما شرحنا في المقال الثاني. أضف إلى ذلك أن 900 ألف طالب خرجوا من المدارس منذ 2023م وفق اليونسكو، وهذا يعني أننا أمام جيل كامل سينشأ بلا وعي صحي، بلا قدرة على قراءة نشرة دواء، بلا مناعة ضد الشائعات، وسيكون الفريسة الأولى للدواء “الفالصو” الذي شخصناه في المقال الأول.

 

ولكن الكارثة لا تقف عند الأطفال. فالحرب سرقت منا أيضاً “البنون” المنتجين. تشير دراسات البنك الدولي أبريل 2025م إلى أن الاقتصاد السوداني يخسر 4 مليارات دولار سنوياً بسبب غياب العمالة عن العمل لرعاية المرضى، وبسبب الوفيات المبكرة، وبسبب تراجع الإنتاجية الناتج عن الأمراض المزمنة وسوء التغذية. هذا الرقم يعني أننا كل عام نخسر ما يعادل 12% من ناتجنا المحلي ليس في قصف ولا في حريق، بل في مستشفى وفي بيت وفي حقل. لقد تحولت الملاريا والدواء المغشوش وانهيار المستشفيات إلى آلة لطحن رأس المال البشري.

 

إن الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبناه لعقود هو أننا فصلنا بين “الصحة” و “التنمية”. كنا نعالج المريض ثم نعيده إلى نفس البيئة التي أمرضته. كنا نبني مدرسة بلا مياه نظيفة، وبيتاً بلا صرف صحي، ومصنعاً بلا تأمين صحي للعامل. والنتيجة أننا أنتجنا إنساناً مريضاً وفقيراً وجاهلاً في آن. وهذا هو عكس “البنون زينة الحياة”.

 

ومن هنا تأتي ضرورة إعلان “العقد الاجتماعي الجديد للصحة” كالبند الختامي والحاكم لكل بنود الحزمة الأربعة السابقة. وهذا العقد لا يقوم على الصدقات ولا على المنح، بل يقوم على 3 التزامات وطنية صارمة.

 

الالتزام الأول: هو التزام الدولة. ويعني الإلزام الدستوري بتخصيص 15% من الميزانية العامة للصحة كما نص عليه إعلان أبوجا الذي وقعه السودان عام 2001م ولم ينفذه. 15% تعني 1.2 مليار دولار سنوياً في موازنة 2027م، وهذا المبلغ كاف لتمويل “صندوق السيادة الدوائية” و “المسح الوبائي” و “المستشفيات النواة” و “مشروع الخرطوم خالية من الملاريا” معاً. الدولة التي لا تنفق على صحة مواطنها هي دولة تستثمر في مقابرها.

 

الالتزام الثاني: هو التزام المغتربين. يوجد 4.5 مليون سوداني في الخارج يحولون 3.8 مليار دولار سنوياً وفق بنك السودان 2024م. نحن لا نطلب منهم زيادة التحويلات، نطلب توجيه 10% منها فقط إلى “صندوق البنون” وهو صندوق وقفي مستقل يمول برامج الأمومة والطفولة والتغذية المدرسية. أي 380 مليون دولار سنوياً كافية لإطعام مليوني طفل وتوفير حليب وحديد وفيتامينات لهم. المغترب الذي يبني بيتاً في قريته يجب أن يطمئن أن ابن أخيه في المدرسة يأكل ويتعلم بصحة.

 

الالتزام الثالث: هو التزام المجتمع والأسرة. ويعني إدخال “التثقيف الصحي الإلزامي” في مناهج العودة إلى المدارس، بحيث يتعلم كل طفل كيف يقي نفسه من الملاريا، وكيف يميز الدواء الأصلي من المغشوش، وكيف يغسل يديه. ويعني تفعيل دور الأئمة والمعلمين وزعماء المجتمع في حملات “بيت خال من البعوض” و “أسرة خالية من الدواء الفالصو”. الدولة وحدها لا تبني وعياً، الوعي يبنيه المجتمع.

 

إن العائد الاستراتيجي من حماية “البنون” لا يقاس بالدولار فقط. طفل متغذٍ جيداً اليوم هو مهندس يبني جسراً بعد 15 عاماً. طالبة واعية صحياً اليوم هي طبيبة تعالج في علياء بعد 10 سنوات. عامل بصحة جيدة اليوم هو من سينتج القمح الذي يطعمنا غداً. تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2025م يقول إن كل دولار يستثمر في تغذية الطفل وصحة الأم في السنوات الخمس الأولى من العمر يعود بـ 16 دولاراً على الاقتصاد بعد 20 عاماً. هذا هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر.

 

الخلاصة التي أختم بها “حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027-2037م” هي أن البروفيسور مأمون حميدة علمنا درساً بدمه. قال لنا إن الدولة القوية لا تقاس بعدد مستشفياتها، بل بعدد أطفالها الأصحاء. قال لنا إن السيادة الحقيقية ليست في السلاح، بل في دواء سليم يأخذه طفل، وفي ناموسية ينام تحتها، وفي مدرسة يذهب إليها وهو شبعان.

 

إذا نجحنا في حماية “البنون” فقد ربحنا السودان. وإذا فشلنا في ذلك فقد خسرنا كل شيء حتى لو بنينا ألف مستشفى. فالحرب لم تقتل فقط، الحرب كانت تريد أن تقتل المستقبل. ومهمتنا الآن أن نثبت أن المستقبل أقوى.

 

نسأل الله أن يحفظ بناتنا وأبناءنا، وأن يجعلهم زينة الحياة وزاد الوطن، وأن يتم الشفاء للبروفيسور مأمون حميدة رمز الصمود والعلم.

 

*والله ولى التوفيق*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى