ياسر محمد محمود البشر يكتب…كيف أسقطت الخلايا النائمة إستراتيـجية الخليـفة عبدالله!!
*لم تكن معركة كرري الحاسمة التى دارت رحاها فى الثانى من سبتمبر ١٨٩٩ مجرد مواجهة عسكرية بين شجاعة الفرسان وبطش الآلة بل كانت فى جوهرها ثمرة إحدى أكبر العمليات الاستخباراتية الشيطانية التى غيرت مجرى تاريخ السودان الحديث لقد كان المقاتل المهدوى يمتلك عزيمة لا تلين وكان الخليفة عبد الله التعايشى يستند إلى رؤية عسكرية ثاقبة تُدرك طبيعة الأرض والتكتيكات الدفاعية إلا أن الخلايا النائمة المندسة داخل جيشه لعبت الدور الأبرز فى توجيه الضربة القاضية للاستراتيجية المهدوية قبل أن تبدأ المعركة ميدانياً حيث كانت الخطة الأصلية للخليفة عبد الله تقتضى ملاقاة جيش الغزو بقيادة كتشنر عند شلال السبلوقة شمال الخرطوم وهو اختيار عسكرى استراتيجى من الطراز الأول فعند النظر إلى التوقيت الزمنى لشهور الخريف وتحديداً فى بدايه شهر سبتمبر يكون نهر النيل في أوج فترات فيضانه وتكمن أهمية هذه الخطة فى أن مضيق السبلوقة بطبيعته الصخرية وتياره الجارف فى فصل الفيضان كان سيجعل عبور البواخر الحربية للجيش الغازى أمراً مستحيلاً ومحفوفاً بالمخاطر مما يجرّد العدو من ميزته النارية والتكنولوجية*.
*إضافة إلى التحصين الطبيعى لشلال السبلوقة كانت الطبيعة الجغرافية والتضاريس الوعرة للمنطقة ستُبطل تماماً فاعلية السلاح الفتاك الذى يعتمد عليه كتشنر وهو مدافع المكسيم فهذه الرشاشات الثقيلة والمدافع السريعة كانت تتطلب مساحات جغرافية مفتوحة ومكشوفة لتحقيق أقصى قدر من التدمير وحصد الأرواح بينما كانت خنق القوات الغازية في مضيق ضيق ومحصن كفيلة بإجباره على خوض مواجهة التحام مباشر وهو الميدان الذى يرجح كفة الجند المهدويين بلا منازع هنا أدرك سلاطين باشا وهو رجل الاستخبارات الأول فى جيش الغزو والعارف بخبايا الدولة المهدية ودروبها أن مواجهة جيش الخليفة فى السبلوقة تعنى الانتحار العسكرى للقوات الغازية ومن هنا تحركت داهية الاستخبارات لتفعيل أوراقها الخفية حيث دفع بسلسلة من الخلايا النائمة المندسة داخل المؤسسة العسكرية للمهدية للقيام ببروباغندا خبيثة تتلاعب بالوجدان الديني والروحى للخليفة وبطانته وتروج لمقولة أن المهدى قيل إنه أشار إلى أن كررى لتكون مقبرة للغزاة*
*وصلت هذه الشائعات إلى مسامع الخليفة عبد الله لكنه بما عرف عنه من حذر ودقة قيادية لم يبتلع الطعم فوراً بل طلب إحضار شهود عيان ممن سمعوا هذا الحديث مباشرة من الإمام المهدى وهنا تجلت خطورة التغلغل الاستخبارى إذ اختار سلاطين باشا بعناية اثنين من أشد خلاياه النائمة احترافية داخل صفوف جيش الخليفة وأعدهما لتمثيل هذه الدراما القاتلة وأداء الدور المطلق بثبات وأناقة تكتيكية عالية أمام رأس الدولة وقف الشاهدان الخائنان أمام الخليفة عبد الله وأديا القسم المغلظ بثبات تام على أنهما سمعا بأذنيهما الإمام المهدى يكرر أن أرض كرري هى الساحة المقدرة التى ستتحطم عليها أوهام الغزاة وتكون لهم مقبرة كان لهذا القسم المغلف بالثوب الدينى والشرعية الروحية المهدوية أثر حاسم فى وجدان الخليفة فالدولة المهدية كانت قائمة فى أساسها على المنامات والشهادات الروحية والإشارات الغيبية الصادرة عن الإمام المهدى وأمام قوة هذا القسم المغلظ والخديعة المتقنة اتخذ الخليفة عبد الله القرار المصيرى بقرار تغيير خطته الدفاعية العسكرية الحكيمة فتقرر الغاء خيار التحصن فى مضيق شلال السبلوقة وأمر بتحريك القوات والتوجه كاملاً نحو السهول المكشوفة في أرض كررى ليقع بذلك فى الفخ الذى نصبته له استخبارات العدو بعناية مبتلعاً طعم الخديعة الكبرى التى أعدها سلاطين باشا أتاح هذا التحول الدراماتيكى فى خطة الخليفة للجيش الغازى فرصة ذهبية حيث عبرت بواخر كتشنر شلال السبلوقة بسهولة من دون أى مقاومة تُذكر لينساب الجيش نحو منطقة كررى ذات المساحات المفتوحة والواسعة وهناك وجدت القوات الغازية البيئة المثالية لتطبيق تكتيكاتها العسكرية الحديثة فنصبت مدافع المكسيم ووجهتها نحو السهل المكشوف منتظرة اندفاع القوات المهدية الشجاعة نحو مقتلتها التكنولوجية*.
*عندما بدأت المعركة ظهر الحجم المرعب للخديعة فقد واجه الجند المهدويون جداراً نائراً من الرصاص المتطاير من مدافع المكسيم التى حصدت الأرواح على بعد مئات الأمتار قبل الوصول إلى خطوط العدو ورغم الملاحم الاستثنائية والبثالة الخارقة التى أبداها المقاتلون إلا أن مكشوفية الأرض وحجم التدمير النارى حسما المعركة لصالح المعتدين وسقطت الخرطوم والدولة المهدية فى قبضة الاستعمار نتيجة لهذه الثغرة الاستخباراتية القاتلة ولم تكن نهاية القصة سوى تأكيد إضافى لحجم التآمر فبعد سقوط الدولة المهدية وقيام الحكم الثنائى حان وقت تسديد الفواتير ومكافأة الخلايا النائمة التي أنجزت المهمة حيث كافأ المفتش العام ورجال سلطة الغزو أولئك الخونة فتم تعيين أحدهما مسؤولاً عن العاصمة الخرطوم (في موقع يشبه منصب والى الخرطوم أحمد عثمان حمزة اليوم) بينما تم تعيين الخائن الثانى مسؤولا عن قطاع التعليم ليكتب التاريخ بواقعية أليمة كيف يمكن لخيانة من الداخل أن تسقط إمبراطوريات كاملة*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



