مقالات الظهيرة

ظل العزة والكرامة يكتب… حين يصبح التوثيق وجعا حكاية رجال عبروا الجسر ولم تعبر ارواحهم من الذاكرة

بقلم : مصطفي محمد احمد ادريس:

– هناك توثيق تقرأه بعقلك وهناك توثيق يمر مباشرة الى القلب فيزلزل كيانك ويستوقف قلمك ويجبر عينيك على ان تذرف الدموع ليس ضعفا ولكن وفاء لرجال دفعوا اغلى ما يملكون ثمنا للوطن .

 

– شاهدة هذا التوثيق البسيط في كلماته الكبير في معانيه عن حراس جسر الفتيحاب فتوقفت كثيرا امام تفاصيله توقفت امام الرقيب شرطة المغربي وامام حكاية الرجال الذين عبروا في ظروف لا تحتمل وامام ذلك المشهد الذي اختصر معنى الوفاء والثبات والشجاعة .

 

– صورة قبر الشهيد النقيب وضاح جابر كانت واحدة من اولى العلامات التي قادت الى حكاية مجموعة الاشباح الثمانية عشر الذين عبروا جسر الفتيحاب لكن خلف الصورة كانت هناك حكاية اكبر بكثير من مجرد عبور .

 

– كانت هناك مجموعة من الرجال عاشوا لحظات الفشل والانكسار والاصابة والاستشهاد ومع ذلك لم يسقطوا .

 

– استشهد قائدهم ابراهيم واصيب الرائد تامر قائد ثاني المهمة وسقط اخرون ولم يبق بينهم سوى الجثمان الطاهر الذي لم يسمحوا ان يكون مجرد جسد في ارض المعركة .

 

– كانوا يبردونه بالماء من وقت لاخر ينظرون اليه ويحرسونه كما يحرسون حيا بينهم .

 

– يا لها من صورة موجعة !

– جثمان شهيد يتحول في لحظة الى مصدر قوة لرفاقه وذكرى قائده تصبح عهدا جديدا على من تبقى لم يكن خوفهم على انفسهم وحدهم بل كان همهم الا تصل يد الغدر الى جثمان قائدهم والا تتحول تضحيته الى مادة للسخرية او التشفي .

 

– وهنا تكمن عظمة هؤلاء الرجال .

– الثبات ليس الا تخاف وانما ان تعرف حجم الخطر ثم تختار ان تبقى .

 

– والشجاعة ليست في لحظة الهجوم وحدها بل في تلك اللحظات التي يحيط فيها بك الانكسار من كل جانب ثم ترفض ان تستسلم .

 

– وحكاية المغربي كما وردت في هذا التوثيق تكشف لنا جانبا من ملحمة اكبر عاشها رجال لم يكن احد يعرف تفاصيلها في حينها رجال رابطوا وصبروا وتحملوا وتمسكوا بعهدهم حتى جاءت لحظة الفرج ووصل طوف المقدم محمد حماد في اليوم الثالث ليتم اجلاء الجثمان بكل ذلك الرفق الذي يليق بشهيد قضى نحبه وهو يؤدي واجبه .

 

– ولعلنا نستطيع ان نقول ان النقيب وضاح كان العابر الرابع الاخير معهم وان جسده الطاهر ظل حاضرا بينهم حتى اكتملت رحلة العبور .

 

– هذا هو التوثيق الذي نحتاجه .

– ليس لأنه يحكي لنا قصة معركة فحسب وانما لانه يعيد الينا اسماء رجال ربما كانت ستغيب في زحام الاحداث ويقول للاجيال القادمة هنا وقف رجال وهنا صبر رجال وهنا سقط رجال وهنا كان الوطن اغلى من الحياة .

 

– قد يكون التوثيق عفويا وبسيطا وقد لا يحمل لغة المؤرخين ولا اسلوب الكتب الكبيرة والتصوير السنمائي لكنه يحمل شيئا اهم من ذلك كله صدق اللحظة وحرارة التجربة ووجع الفقد .

 

– ولهذا فأن دموعنا امام هذه الحكايات ليست حزنا فقط بل هي تحية .

 

– تحية لكل شهيد قدم روحه ولكل جندي رابط ولكل رجل صبر على المحن ولكل من حمل رفيقه في قلبه قبل ان يحمله على كتفه .

 

– رحم الله شهداء الوطن وحفظ من بقي من رفاقهم وحفظ ذاكرة هؤلاء الرجال من النسيان .

 

– فالاوطان لا تبنى بالانتصارات وحدها بل تحفظ ايضا بسيرة الذين دفعوا ثمنها من دمائهم .

 

– حيتواصل التوثيق وحنواصل الكتابه لان هناك حكايات لم ترو بعد واسماء تستحق ان يعرفها الشعب وابطالا يجب الا تسمح الذاكرة للنسيان ان يطوي صفحاتهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى