مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب…. ضريــبة العـمل العـــام!!

*تُشكل الخدمة العامة فى أى مجتمع واعيًا التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون تشريفًا وظيفيًا أو وجاهة اجتماعية إن خطوة التقدم نحو العمل العام تعنى بالضرورة طرْق باب المسؤولية بكامل إرادتك والجلوس خلف مكتب لا تحجبه الجدران الصماء بل تحيطه نوافذ الزجاج الشفاف هنا تتغير قواعد اللعبة الفردية وتذوب الخصوصية المهنية لتصبح ملكًا مشاعًا للجمهور الذى ينتظر الإنجاز ويترقب الخطأ ويمتلك كامل الحق في المساءلة إن كل من يتولى منصبًا عامًا أو يتصدّر مشهدًا خدميًا يضع نفسه تلقائيًا في ميدان التقييم والتقويم المستمر فالكرسى

الذي يجلس عليه المسؤول ليس منصة للزهو بل هو منصة تشريح لأدائه وقراراته وتوجيه سهام النقد له ليس استهدافًا شخصيًا في غاياته السوية بل هو أداة الضبط والربط التى تضمن عدم انحراف السلطة أو ترهل الأداء وهى الضريبة الأولى التى تُدفع كاشفًا لجدية المسؤولية*.

 

*وفي أدبيات العمل العام ثمة مقولة ذهبية تُؤثر عن السلف والخلف وهى (أن من تقدم للعمل العام يجب أن يتبرع بثلثى عرضه للناس) هذه العبارة البليغة لا تعني استباحة الكرامة الإنسانية،+ بل تعنى بالضرورة توطين النفس على تحمل ملامة اللائمين وقبول طعن الطاعنين فى الأداء والتعايش مع حقيقة أن الجزء الأكبر من سيرة المسؤول المهنية وتصرفاته العامة ستكون مادة دسمة للحوار والنقاش اليومى فى المجالس والمنصات بناءً على هذه الحقيقة الحتمية يجب أن يتحلى المسؤول بروح تتسع للنقد وصدر لا

يضيق بالملام إن تقبل النقد ليس ضعفًا بل هو دليل على النضج السياسى والإدارى والبحث الجاد عن الحقيقة الكامنة وراء السطور الغاضبة المسؤول الذكى هو من يرى في قلم الكاتب الناقد مرآة تعكس له العيوب التى قد تحجبها عنه بطانة النفاق وجماعة (عليّ بالحرام) فيأخذ من النقد جوهره لإصلاح المسار بدلاً من الدخول في معارك جانبية لا طائل منها*.

 

*وعلى النقيض من ذلك تبرز ظاهرة المسؤول الزجاجى الذي يخشى التناول الصحفى والإعلامى ويهتز مع كل مانشيت ينتقد قطاعه إن الخوف المفرط من الإعلام ومحاولة تحصين المنصب ضد مقالات الرأى والتحقيقات الاستقصائية غالبًا ما يكون مؤشرًا على وجود خلل ما فكل من يرتعد من النقد

الإعلامى لأدائه يُخشى أنه يخفى قدرًا كبيرًا من الأخطاء والقصور خلف هيبة منصبه متدثرًا بالصمت لحماية العيوب من الانكشاف إن الإعلام ليس عدوًا للمسؤول الناجح بل هو حليف الحقيقة غير أن البعض يخلط بين الهيبة الشخصية وبين الحصانة من المساءلة.د والواقع يؤكد أن الحصانة الوحيدة للمسؤول هي نظافة اليد وكفاءة الأداء أما محاولات تكميم الأفواه أو التذمر من الرقابة الشعبية فهى محاولات بائسة لبناء جدار عازل بين صاحب القرار ومنفعة القرار وهو جدار سرعان ما ينهار أمام تدفق المعلومات ويقظة الرأى العام*.

 

*يجب أن يعلم كل من يجلس فى مقاعد القيادة أنه لا كبير على التناول الإعلامى ولا توجد خطوط حمراء تحمى الفشل أو تستر الترهل طالما أن الأمر يتعلق بمال الناس أو أمنهم أو تسيير حياتهم اليومية لقد ارتضى المسؤول بمحض إرادته أن يتقدم الصفوف ويتصدر المشهد وهذا التصدّر يعطيه امتياز التوجيه والقرار ولكنه يسلبه بالقدر ذاته امتياز الاختباء فى الظل أو النجاة من عين الرقيب إن الصحافة الحرة لا تبحث عن تصيد الأخطاء لمجرد الإثارة بل تمارس

دورها الدستورى الأخلاقى كسلطة رابعة تقوّم ما اعوجّ من مسارات وحين تتوجه السهام نحو مسؤول ما فإن النقد هنا بمثابة المشرط فى يد الطبيب مؤلم لكنه ضرورى لاستئصال المرض ومن يرى فى نفسه عدم القدرة على تحمل هذا الألم المهنى فالأكرم له وللناس أن يترك مكانه لمن يمتلك جلدًا أقوى وقدرة أكبر على العطاء تحت ضغط الرقابة*.

 

*يبقى العمل العام شرفًا لا يناله إلا من استعد لدفع ثمنه كاملاً من وقته وجهده وصبره على ألسنة الخلق إن المقياس الحقيقى لنجاح أي مسؤول ليس فى خلو ملفه من النقد بل فى كيفية تعامله مع هذا النقد وتحويله إلى قوة دافعة للبناء فالكبار فى العمل العام هم أولئك الذين صهرتهم سهام النقد فخرجوا أكثر قوة وعلموا أن بقاء الأثر للأوطان يتطلب التضحية بثلثي العرض فى سبيل خدمة المجموع*.

 

 

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى