ياسر أبو ريدة يكتب… قنبلة أم شجرة.. المخدرات تدخل منطقة الخطر!!

لم تعد المخدرات في السودان مجرد جريمة عابرة تُسجل في محضر شرطة وتنتهي عند حدود البلاغ. ما جرى في نقطة ارتكاز أم شجرة بولاية القضارف يضع القضية في منطقة أخطر بكثير. فحين تجتمع المخدرات بالسلاح تصبح الجريمة تهديداً للأمن والمجتمع والدولة في وقت واحد
بدأت القصة بإيقاف مشتبه به، ثم كشفت عملية التفتيش عن مواد وحبوب مخدرة، قبل أن تنقلب الإجراءات القانونية إلى مأساة حين أقدم المتهم، وفق المعلومات المتاحة، على تفجير قنبلة يدوية كانت بحوزته. وفي لحظة واحدة تحولت نقطة الارتكاز من موقع لحماية المواطنين إلى خط نار
سقط الرقيب أول شرطة قذافي آدم يحي شهيداً وهو يؤدي واجبه، وأصيب عدد من زملائه من الشرطة والمباحث والاستخبارات العسكرية. وهنا لا بد أن نتوقف طويلاً أمام هذا الثمن الباهظ الذي يدفعه رجال الشرطة وهم يقفون في الصف الأول لمواجهة الجريمة وحماية المجتمع
رحم الله شهداء الواجب، وتقبلهم الله قبولاً حسناً، وألهم أسرهم وزملاءهم الصبر والسلوان، ونسأل الله عاجل الشفاء للمصابين
والتحية واجبة لرجال الشرطة الذين يعملون في صمت، خصوصاً في الولايات الحدودية، حيث لا تكون المهمة مجرد حفظ النظام الداخلي، بل مواجهة تحديات إضافية تتعلق بالتهريب وحركة السلاح والمخدرات والتسلل والجريمة العابرة للحدود
في القضارف وولايات السودان الحدودية يقف الشرطي في ظروف بالغة التعقيد، ويؤدي واجبه وسط بيئة أمنية مفتوحة على احتمالات متعددة. ومع ذلك يظل رجل الشرطة مطالباً بالانضباط وسرعة الاستجابة وحماية المواطن وإنفاذ القانون. ومن هنا فإن الإشادة بالشرطة ليست مجاملة، وإنما اعتراف بدور مؤسسة تدفع ثمناً كبيراً في معركة الأمن
لكن الحادث يفتح في الوقت نفسه أسئلة لا ينبغي تجاهلها. كيف وصل السلاح إلى يد شخص يحمل المخدرات؟ ومن أين تأتي هذه الأسلحة؟ وهل أصبحت الجريمة تستند إلى السلاح كما تستند إلى المخدر؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تضيع وسط الحزن، لأن الإجابة عنها قد تكون أهم من الحادث نفسه
المخدرات لم تعد قضية مروج صغير يقف في زاوية شارع. حين تدخل إليها الأسلحة والانتماءات والزي العسكري والفوضى الأمنية فإنها تنتقل من جريمة اجتماعية إلى خطر يهدد هيبة القانون وسلامة المجتمع
وهنا لا يكفي أن نطالب الشرطة بالمزيد من الضبطيات. الشرطة تقوم بدورها، ورجال الارتكاز يدفعون الثمن من أرواحهم وأجسادهم. المطلوب هو الوصول إلى منابع السلاح والمخدرات وملاحقة شبكات التهريب والترويج وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وتجفيف الطريق الذي تصل عبره هذه السموم إلى المدن والقرى
والأهم أن يكون القانون واضحاً مع الجميع. لا الزي العسكري حصانة، ولا السلاح رخصة، ولا الانتماء لأي جهة جواز مرور فوق القانون
أما مواجهة المخدرات فلا يمكن أن تُترك للشرطة وحدها. إنها معركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والحي وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع كله. فالمروج لا يبيع مادة ممنوعة فقط، بل يعبث بمستقبل جيل كامل
القضارف لا تحتاج إلى بيانات تعزية فقط، بل إلى إجراءات تجعل هذه الحادثة نقطة بداية لمراجعة أمنية حقيقية، وتمنح القوات العاملة في الولايات الحدودية ما تستحقه من دعم وتدريب وتجهيز وحماية
رحم الله شهداء الواجب، ورحم الله كل من دفع حياته ثمناً لأمن السودان، والتحية لكل شرطي يقف اليوم في نقطة ارتكاز بعيدة، في قرية حدودية أو طريق ناءٍ، بينما أسرته تنتظر عودته
فالشرطة ليست مجرد زي رسمي ومركبة ودورية، ففي كثير من المناطق هي الحضور الأول للدولة وآخر جدار يقف بين المواطن والفوضى
وحين تصبح المخدرات مسلحة، لا تعود المعركة مع مروج فقط، إنها معركة مع منظومة خطر يجب أن تُقتلع من جذورها.
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة، وهنا أيضاً يجب أن نقف جميعاً خلف رجال الشرطة وهم يؤدون واجبهم.



