(شـوكة حــوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب… حـميـــدتـى… من عز الأمراء إلى ذل العبيد!!
*لم تكن حكاية صعود محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتى مجرد حادثة عابرة فى التاريخ السياسى والعسكرى للسودان بل كانت تجسيداً لخلل بنيوي أتاح لجلابيب البادية أن تطغى على المؤسسات الرسمية فمن أزقة الصحراء الغربية وأنشطة التجارة غير الرسمية نفض نظام الإنقاذ الغبار عن شاب لم يطأ بقدميه أرض الكلية الحربية ولو للحظة ولا عرف الانضباط الأكاديمى ليصنع منه حارساً شخصياً للنظام على حساب هيبة الدولة ومؤسساتها الوطنية تلقفته السلطة السابقة.
وغذّت فيه روح التمرد المنظم فمنحته الشرعية والمال والسلاح لمواجهة خصومها محولةً المليشيا المسلحة إلى قوة موازية للجيش النظامى ومنذ تلك اللحظة فتحت بوابات الترقى الاستثنائى لرجل يفتقر للحد الأدنى من التعليم الأكاديمى حتى بات يقود رجالاً يتفوقون عليه علماً وخبرة وتجاوز بعلاقاته النفعية أطر المؤسسة العسكرية الصارمة التى تبنى ضباطها عبر العقود*.
*تدحرجت الرتب العسكرية على كتفى حميدتى دون أن يتلقى علماً فى التكتيك أو الاستراتيجية داخل الكلية الحربية حتى وصل إلى رتبة الفريق أول وهى الرتبة التي لا ينالها خريجو المؤسسات العسكرية الرسمية إلا بشق الأنفس وبعد عقود من الخدمة والتأهيل العالى وبعدها أضحى الأكاديمى المتعلم والضابط المتمرس يخضعان لأوامر رجل يعانى من أمية تثقيفية وسياسية واضحة ولا يستطيع حتى فك الخط بطلاقة.
مما شكل سابقة تاريخية جرحت كبرياء المؤسسة العسكرية السودانية ولم تقف طموحات الرجل عند حدود الثكنات بل استغل حالة الفراغ السياسى والتحولات العاصفة التى أعقبت سقوط نظام البشير ليقفز إلى سدة الحكم كأحد صناع القرار المشهد الانتقالى وبحلوله وقتها فى منصب نائب رئيس المجلس السيادى انتزع حميدتى لنفسه غطاءً دستورياً وسياسياً أتاح له التعامل المباشر مع القوى الدولية والإقليمية كاشفاً عن رغبة جارفة في تجاوز دوره الإقليمى المحتوم نحو التمدد المطلق*.
*سخر حميدتى ملفات شائكة لإبراز نفسه كشرطى حارس للمصالح الدولية إذ استغل ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية ليفتح خطوط اتصال مباشرة مع الاتحاد الأوروبى وتحولت مليشياته على أطراف الصحراء إلى حارس لحدود أوروبا مما منح شرعية دولية لرجاله ووفر لمليشياته تدفقاً مالياً ولوجستياً تحت مظلة التعاون الإنسانى والأمنى فى مفارقة صارخة لواقع القوة المسلحة غير النظامية ولم تكن ساحة اليمن بعيدة عن مخططات التمدد والتكسب إذ دفع بقواته تحت مسمى الجنجويد للانخراط فى التحالف العربي ضمن عمليات عاصفة الحزم وأصبحت دماء أبناء الهامش السودانى سلعةً تجارية جلب من خلالها حميدتى مئات الملايين من الدولارات وبنى علاقات مباشرة مع مراكز النفوذ في الخليج متموضعاً كقوة برية لا غنى عنها في الصراعات الإقليمية ومستقلة كلياً عن قيادة الجيش الرسمى*.
*فى هذه المحطة التقت طموحات حميدتى بشركاء الإقليم حيث وجد فيه شيطان العرب أداة طيعة لتحقيق مآربه والتغيير الديموغرافى والسياسى فى المنطقة ووسوست له القوى الإقليمية بأن كرسيه فى نائب الرئاسة ليس سوى محطة مؤقتة وأن عرش السودان وجائزته الكبرى باتا على بعد خطوة واحدة شريطة أن يبتلع المؤسسة العسكرية ويتخلص من قياداتها الوطنية وانطلت الأوهام على قائد المليشيا الذى صدق أنه قادر على التحول من جندى حراسة إلى حاكم مطلق لرقعة جغرافية بحجم السودان وبدأ ينسج شبكات نفوذ اقتصادى عابرة للحدود عبر تجارة الذهب والشركات الأهلية بالتوازى مع عملية تجنيد واسعة النطاق غيرت ديموغرافية مليشياته ليبدأ في التخطيط والتحضير لليوم الموعود الذي يزيح فيه المؤسسة العسكرية من طريقه نهائياً*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*تضخمت الذات لدى حميدتى وأصبحت فكرة أن يكون الرجل الأول ورئيس جمهورية السودان هاجساً يوجه كل تحركاته السياسية والعسكرية رفض كل محاولات الدمج والتفكيك لمليشياته داخل الجيش الوطنى ودعا للتوقيع على الإتفاق الإطارى وسعى للسيطرة على المرافق الاستراتيجية والمطارات لتكون منصة انطلاق لإنقلابه النهائى على الدولة ومؤسساتها معتقداً أن القوة الغاشمة وحدها كفيلة بحسم المعركة لصالح مشروعه الخاص*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*وفى ١٣ من أبريل ٢٠٢٣ أشعل حميدتى فتيل الحرب الشاملة عندما دفع بقواته ومدرعاته فى تحرك استباقى لاحتلال مطار مروى الاستراتيجى وقاعدة طيرانه محاولاً شل حركة سلاح الجو السودانى وتمهيد الطريق للسقوط السريع للعاصمة الخرطوم كانت تلك الخطوة بداية الكارثة التي عصفت بالسودان أرضاً وشعباً وأسقطت قناع الرجل الجاهل لتكشف عن مغامرة شخصية دمرت الأخضر واليابس في سبيل أوهام السلطة والعرش*.
yassir.mahmoud71@gmail. com



