مقالات الظهيرة

ياسرمحمدمحمود البشر يكتب في (شوكة حوت)… كتـامى صـلاة ميـت… فساد المغطى بعباءة التسويات!!

*تكتنز الموروثات الشعبيّة بذكاء فطرى يستبق النظريات القانونية والاجتماعية في توصيف الأمور ولعل المثل السودانى الشهير (كتامي صلاة ميت) يقف شاهداً على عمق الرؤية الشعبية في تشخيص نوع من أخطر أنواع الجرائم التى تنخر في جسد الأوطان يُضرب هذا المثل فى الإشارة إلى الأعمال التى تُحاك في خفاءٍ وتستر.

حيث تكون الظواهر مجرد قشورٍ تعميتها العيون بينما التفاصيل الحقيقية تضيع في عتمة الكتمان الصارم فى صلاة الجنازة أو صلاة الميت لا نجد أذاناً ولا إقامة والجهر فيها يقتصر فقط على التكبيرات أما بقية الصلوات والأدعية فتدور في سرية تامة بين المصلى وربه دون أن يسمعها أحد هذا الإطار الشكلى يعكس بدقة متناهية آليات الفساد الإدارى والمالى الذى يمارسه كبار الموظفين حيث تصدر القرارات الصاخبة كالتكبيرات بينما تُطبخ الصفقات المشبوهة وتُهدر الموارد في الكواليس وتحت سرية مطلقة لا يخترقها الضوء*.

*تُعرف هذه التجاوزات في أدبيات القانون الجنائى بجرائم أصحاب الياقات البيضاء (White-collar crimes) وهى الجرائم التى ينفذها أصحاب النفوذ والسلطة ممن يرتدون الحفّة والمظاهر البرّاقة ويشغلون مناصب رفيعة فى أجهزة الدولة هؤلاء لا يستخدمون العنف أو السلاح التقليدى لسلب الأمور بل يستغلون ثقة المجتمع ومفتاح الصلاحيات والثغرات الإدارية لتمرير نهب منتظم وبأقلام فاخرة لا تبدأ هذه الجرائم بمبادرة فردية عابرة بل تقوم فى الأصل على اتفاق جنائى مكتوم بين اثنين أو أكثر من المسؤولين لتحديد كيفية التصرف فى المال العام يتفق الأطراف على توزيع الأدوار وتسهيل المهمة وتغطية الثغرات الإدارية والمحاسبية لتبدأ بعدها مرحلة ترتيب المتبقى من الأمور وترقيع الدفاتر في محاولة خبيثة لإضفاء الشرعية على ما تم استقطاعه زوراً وبهتاناً من مقدرات وقوت الشعب*.

*ورغم كل الحيطة والحذر اللذين يُحاط بهما الفساد ورغم دقة التخطيط وشبكات النفوذ إلا أن القاعدة القانونية الذهبية تؤكد أنه لا توجد جريمة مكتملة الأركان فمهما بلغت حيلة الجناة فى التمويه وإخفاء المعالم تبقى هناك دائماً زاوية غير مرئية أو خيط رفيع أو مستند منسى ينكشف مع الوقت ليكون السبب فى تداعى البناء الفاسد وسقوط الأقنعة وتكون (الريحة طاقة) لكن المأساة الحقيقية تتبدى عندما تُفتح العيون ويُقبض على أحد المشتركين فى هذه الشبكات فبدلاً من إعمال سيف القانون النافذ تبدأ كواليس التدخلات واستغلال العلاقات لتهدئة الأوضاع تُستدعى حينها الثقافة الاجتماعية السلبية عبر شعارات مساومة من قبيل (باركوها يا جماعة) لتتحول الجريمة الوطنية الكبرى إلى مجرد خِلاف بسيط يُحل بالأحضان والأجواء الودية على حساب حقوق الملايين*.

*تُختتم هذه التسويات الصورية عادة بإلزام المتهم بتسوية الأمور وطرق باب التحلل عبر كتابة إقرار بسيط يتعهد فيه بإعادة جزء من المال العام أو إرجاعه كاملاً مقابل طى ملف القضية يُراد لهذه الخطوة أن تكون الستار الأخير الذى يُسدل على الجريمة لإيهام الرأى العام بأن العدالة قد تحققت وأن الحقوق قد عادت إلى نصابها بينما الحقيقة هى تغييب المحاسبة وفرار المجرم بجلد غير أن ما يغفله أرباب الياقات البيضاء ومهندسو هذه التسويات الرخيصة هو أن ملف القضية سيظل مفتوحاً في ذاكرة القانون وفي الضمير الحى إن إرجاع المال المنهوب لا ينفى قيام الفعل الإجرامى أصلاً فالجريمة قد اكتملت بنية النهب واستغلال السلطة وما التسوية الإدارية إلا محاولة مكشوفة لشرعنة الإفلات من العقاب لا تعفى الفاعل من مسؤوليته الجنائية*

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

*إن التشريعات والقوانين العادلة تضع خطاً أحمر واضحاً يؤكد أن جرائم المال العام والفساد الإدارى هى جرائم لا تسقط بالتقادم على الإطلاق لن يمحو الزمان أثر اليد التى امتدت إلى خزانة الشعب وستظل الملفات المقتولة بكتامى صلاة ميت حية منتظرة لحظة الصحوة القانونية والمؤسسية لفتحها من جديد ومحاكمة كل من تورط فيها*.

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

*إن كشف جرائم أصحاب الياقات البيضاء وإنهاء زمن كتامي صلاة ميت يتطلبان إرادة سياسية حقيقية واستقلالاً تاماً للأجهزة الرقابية والقضائية وتفعيلاً لشفافية الإفصاح يجب أن يدرك كل مسؤول أن المال العام خط أحمر وأن منطق باركوها لم يعد صالحاً لبناء دولة القانون فالشعوب لم تعد تنطلى عليها صلاة الميت التى يُقرأ فيها الفساد سراً وتُكَبَّر فيها الأوهام جهاراً*.

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى