مقالات الظهيرة

(وجه الحقيقة) إبراهيم شقلاوي يكتب…. التفاهة الرقمية… ومأزق القيم !!

شهد السودان خلال السنوات الأخيرة انفجاراً غير مسبوق في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل الحرب وما فرضته من تحولات. ومع تراجع أدوار بعض المؤسسات الثقافية والإعلامية.

برز جيل جديد من صناع المحتوى والمؤثرين الذين أصبحوا يمتلكون قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام وتشكيل الوعي الاجتماعي، دون أن يخضع معظمهم لأي إطار مهني أو قانوني أو أخلاقي ينظم هذا النشاط.

 

ما دعاني إلى كتابة هذا المقال هو الجدل الواسع الذي أثارته إحدى الناشطات السودانيات بعد نشرها محتوى حمل إيحاءات جنسية، متعارضة مع القيم والأعراف المجتمعية، وما تبع ذلك من نقاشات حادة تجاوزت شخص الواقعة إلى أسئلة كثيرة تتعلق بطبيعة صناعة المحتوى الرقمي وحدودها الأخلاقية.

فقد أعادت هذه الحادثة إلى الواجهة قضية أهمية التوازن بين السعي إلى تحقيق الانتشار والعائد المادي من جهة، والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والقيم الثقافية من جهة أخرى، كما فتحت الباب أمام نقاش حول أهمية إيجاد معايير مهنية وتنظيمية تضبط هذا المجال المتنامي.

 

ورغم أن الفضاء الرقمي أتاح فرصاً مهمة للتعبير والإبداع ونشر المعرفة، إلا أنه أفرز في المقابل أنماطاً من المحتوى أثارت جدلاً واسعاً داخل مجتمعنا السوداني، بسبب ما اعتبره كثيرون تجاوزاً للقيم الاجتماعية والثقافية، وتحول بعض المنصات إلى ساحات للابتذال والإثارة والبحث عن الشهرة السريعة والعائد المادي على حساب المسؤولية الأخلاقية.

 

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن اقتصاد المنصات الرقمية يقوم أساساً على جذب الانتباه وتحقيق أعلى معدلات المشاهدة والتفاعل الجماهيري، الأمر الذي يدفع بعض صناع المحتوى إلى تجاوز الحدود الأخلاقية والمهنية سعياً وراء الانتشار. وهنا يصبح الربح هو المعيار الوحيد للنجاح، بينما تتراجع الاعتبارات المتعلقة بالثقافة والهوية والقيم المجتمعية.

 

المفارقة أن السودان يمتلك منظومة متكاملة من المجالس المهنية التي تنظم المهن المختلفة، بدءاً من الطب والهندسة والزراعة وصولاً إلى القانون والتعليم والمحاسبة، والموسيقى والدراما. وهذه المجالس لم تنشأ لتقييد الممارسة المهنية، بل لحماية المجتمع وضمان جودة الأداء وترسيخ أخلاقيات المهنة. غير أن قطاع صناعة المحتوى الرقمي، رغم تأثيره المباشر على ملايين المواطنين، لا يزال خارج أي إطار تنظيمي واضح.

 

ومن هنا تبرز أهمية النقاشات التي بدأت تظهر في بعض الدول العربية بشأن إنشاء أطر مهنية أو هيئات تنظيمية لصناع المحتوى والمؤثرين. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بحرية النشر وتحقيق الأرباح، وإنما بحق المجتمع أيضاً في وجود معايير تضبط العلاقة بين التأثير الجماهيري والمسؤولية الأخلاقية، وبين النشاط الاقتصادي والمصلحة العامة.

 

ولا يعني ذلك الدعوة إلى الرقابة أو مصادرة حرية التعبير أو مصادرة المهنة لصالح أخرى، بل إلى بناء نموذج مهني أخلاقي يميز بين الإبداع المسؤول والفوضى الرقمية، وبين حرية الرأي والتعدي على قيم المجتمع. فكما يحتاج الطبيب إلى ترخيص لممارسة مهنته.

والمهندس إلى ضوابط تحكم عمله، فإن من يمتلك القدرة على التأثير في عقول الناس وسلوكهم لا ينبغي أن يبقى خارج أي منظومة للمساءلة القانونية والمهنية والأخلاقية.

 

وفقا لما تقدم تبرز الحاجة إلى إنشاء مجلس أو هيئة مهنية سودانية لصناع المحتوى الرقمي، تكون مهمتها وضع ميثاق أخلاقي للممارسة المهنية، وتحديد المعايير المنظمة للنشاط، وتطوير برامج التأهيل والتدريب، والتنسيق مع الجهات المختصة فيما يتعلق بالإعلانات الرقمية وحماية المستهلك والملكية الفكرية والمسؤولية المجتمعية. فالمطلوب ليس فرض الوصاية على الفضاء الرقمي أو تقييد حرية التعبير، وإنما بناء إطار مهني يحقق التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الإبداع والمصلحة العامة.

 

وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن القضية لا تتعلق بصناعة المحتوى في حد ذاتها، فهي أصبحت جزءًا من الواقع الاقتصادي والاجتماعي الحديث، وإنما تتعلق بكيفية إدارتها وتوجيهها. فصانع المحتوى مطالب بأن يوازن بين حقه في الكسب وواجبه تجاه المجتمع ، والدولة مطالبة بوضع أطر مهنية وقانونية، تنظم هذا القطاع وتحمي الذوق العام، والجمهور مطالب بعدم مكافأة المحتوى الذي يقوم على الإثارة على حساب القيم.

كما أن النقاد مدعوون إلى تقديم النقد الهادف الذي يسهم في الإصلاح. في بلد ينهض من آثار الحرب ويبحث عن مسارات التعافي، يصبح الفضاء الرقمي شريكًا في بناء الوعي ، وترسيخ القيم، لا مجرد مشاهدات وأرباح.

دمتم بخير وعافية.

الأربعاء 17 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com

#التفاهة_الرقمية

#فوضى_المحتوى

#أخلاقيات_النشر

#تنظيم_المحتوى_الرقمي

#مسؤولية_المؤثرين

#حماية_الذوق_العام

#الوعي_الرقمي

 

#صناع_المحتوى

#المسؤولية_الأخلاقية

#إبراهيم_شقلاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى