مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب….ترانيمُ الإياب: معمارُ الأرواح وفلسفةُ العبورِ فوقَ ضفافِ الشجن

بينما تنطفئُ قناديلُ العيد وتشرعُ الذاكرةُ في جردِ بقايا الضوء، نجدُ أنفسنا أمام “إيابٍ” لا يشبهُ أيَّ رجوعٍ آخَر؛ إنهُ الإيابُ إلى الذاتِ قبل الديار، والمكاشفةُ مع أرواحٍ أثقلتها وعثاءُ الحربِ حتى أوشكت أن تنسى ملامحَ السكينة.

إنَّ العبورَ فوق ويلاتِ الحربِ لا يستقيمُ بالقفزِ فوقَ الأشلاءِ النفسية، بل بمواجهتها بفروسيةٍ أدبيةٍ وتقنيةٍ شعوريةٍ باذخة، تدركُ أنَّ غسلَ أدرانِ القسوةِ يتطلبُ أولاً الاعترافَ بملوحةِ الدمعِ وحرقةِ الفقدِ المقيمِ في تلافيفِ الروح.

فنحنُ لا نعودُ اليومَ إلى جدرانٍ صماء، بل نعودُ لنستنطقَ “أرواحَ الأمكنة” التي تشبعت بصمتِ الغياب، ونبحثُ في ثنايا الركامِ عن تلك “الضحكةِ الموؤودة” وصينيةِ القهوةِ التي جفت قبل أن تُحتسى، وعن ملامحِ الجيرانِ الذين بعثرتهم رياحُ السَّمومِ في أصقاعِ المنافي.

هذا الحنينُ المثخنُ بالجراحِ ليسَ ضعفاً، بل هو “المُعاملُ الإنساني” الذي يمنحُ مشروعَ العودةِ مشروعيتهُ الأخلاقية؛ حيثُ تصبحُ الجدرانُ مرايا تعكسُ ظلالَ أحبةٍ رحلوا، وشوارعَ كانت تضجُّ بالحياةِ فأمست صامتةً إلا من صدى الذكرياتِ الموجعة.

إنَّ مشاريعَ الإحساسِ التي نحتاجها في مرحلةِ ما بعد العيد ليست محضَ تراتيلَ ناعمة، بل هي “هندسةٌ وجدانية” دقيقة، تتغلغلُ في مسامِ القسوةِ لتستأصلَ شأفتها، وتغسلُ بماءِ المودةِ أدراناً علقت بالقلوبِ وهي تعبرُ نفقَ الحطام.

إننا نؤلفُ اليومَ “نوتةً” للحياة، حيث لا تكتفي العودةُ بترميمِ الخرسانة، بل تتجاوزُ ذلك إلى استنطاقِ الجمالِ من رحمِ الوجع، وتحويلِ “الغصّةِ” إلى “قصّةِ” صمودٍ باهرة، تُحكى بلسانٍ أدبيٍّ رصين يجمعُ بين رهافةِ الشاعرِ وحكمةِ الفيلسوف، ويخاطبُ النخبةَ بعمقِ طرحهِ ويلامسُ العامةَ بصدقِ تدفقه.

إنها لحظةُ “غسيلِ الذاكرة” من غبارِ الارتياب، وزرعِ اليقينِ في تربةِ العلاقاتِ الإنسانية، ليعودَ المجتمعُ كالبناءِ المرصوص، يشدُّ بعضهُ بعضاً في تعاضدٍ لا يعرفُ السطوِ على الحقوق، بل يقدسُ التكافلَ الذي يهزمُ مراراتِ الحربِ بلمسةِ حنانٍ فخمةٍ وذكية، محولاً “الندبة” إلى وسامِ فخرٍ، و”الحطام” إلى منطلقٍ لمعمارٍ نفسيٍ لا يقبلُ الانكسار.

لقد طوينا مسافاتِ الشتاتِ لنقفَ على شرفةِ الريادة، لا لنبكي على الأطلال، بل لنصنعَ ريادةً قوامها “الأدبُ الحريف” الذي يجعلُ من كلِّ عائدٍ “مشروعَ نجاة” يمشي على قدمين. هذا العبورُ النفسي هو “المعمارُ الأسمى”، حيثُ تُصهرُ الفاجعةُ في بوتقةِ الكبرياء، لتخرجَ لنا لوحةً إنسانيةً مدهشة، تُعيدُ ترتيبَ فوضى المشاعرِ لتجعلها سيمفونيةَ إيابٍ خالدة، تهزمُ القسوةَ بالحب، وتغمرُ المرارةَ بشهدِ الأملِ العصيِّ. إننا لا نعمرُ البيوتَ لنسكنها فقط، بل لنسكنَ في طمأنينتها، ولنعلنَ للعالمِ أنَّ إرادةَ الحياةِ فينا هي الأقوى، وأنَّ “أحاسيسنا” هي الجسرُ الذي لن ينكسرَ أبداً، وهي العطرُ الفواحُ الذي سيمحو رائحةَ البارودِ إلى الأبد، جاعلين من “الوطن” حالةً ذهنيةً مترعةً بالدفقِ والبريق، وخضرةً وارفةً تليقُ بأمةٍ استعادت ذاتها من بينِ براثنِ العدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى