مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… الخرطوم.. هدفٌ في مرمى المستحيل و”البرهان” في مدرج التلاحم!!

حينما تنكفئ السياسة على طاولاتها المستديرة، وتتثاءب الدبلوماسية في ردهاتها المغلقة، تأتي الرياضة كإعصار مبهج يقلب كل الطاولات، وتفتح الباب على مصراعيه للعالم، معلنةً بلسانٍ فصيح وبخطوطٍ عريضة لا تقبل التأويل: هنا الخرطوم.. هنا نبض الحياة الذي يتحدى الغياب، وهنا الأمان الذي يتنفسه الشارع رغماً عن أنف العواصف التي ظن الكثيرون أنها ستقتلع الجذور.

ولم يكن حضور رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في مدرجات الاستاد بين جموع الشعب مجرد “بروتوكول” سياسي جاف، أو لفتة تقليدية جرى الترتيب لها خلف الكواليس؛ بل كان مغامرة مكشوفة بوعي، وصدمة تكتيكية غير متوقعة لدوائر الرصد، أشبه بتمريرة ساحرة باغتت الجميع في الدقيقة الأخيرة. هناك، في تلك المدرجات الملتهبة بالشغف، تلاشت في غفلة من الخوف كل المسافات الفاصلة بين القيادة والقاعدة، واختلطت المقامات والمناصب بـ “المسابك الشعبية” الحارة، حيث ذاب الجميع في بودقة واحدة صهرت الفوارق وأعادت صياغة مفهوم السيادة، لتتحول هندسة التلاحم هذه إلى رادارات عابرة للقارات، التقطت شاشاتها المذهولة حقيقة واحدة: الخرطوم آمنة، لا بزخرف التقارير المكتوبة، بل بالهتاف الحي الهادر، والجسد الواحد الذي يملأ الفضاء صخباً وعنفواناً.

وفي تلك اللحظة التي تصدحت فيها الحناجر وتماوجت الألوان، كُتبت شهادة ميلاد جديدة لطمأنينة العاصمة من فوق درجات الاستاد، حيث أثبتت هذه المسابك الشعبية أنها الحاضنة الحقيقية والدرع المتين، وأن الأمان في عرف السودانيين ليس ثكنات مدججة أو حواجز إسمنتية صماء، بل هو شعور يتدفق كالشلال من وجدان المواطن البسيط وهو يجلس كتفاً بكتف مع قيادته، يتقاسمون هتاف المدرج ولوعة الشباك، ويصنعون معاً “هارموني” فريداً يحبس الأنفاس، يجمع بين هيبة الدولة وبساطة الانتماء الجارف؛ ليمثل هذا المشهد الجماهيري اختراقاً تكتيكياً مثيراً، نسف في ثوانٍ معدودات جدار العزلة الطويل وتلك الصورة النمطية القاتمة التي سعى البعض لتثبيتها في الأذهان، محولاً اللوحة الأدبية الرصينة إلى واقع حي يربك حسابات المتربصين، ويؤكد أن نبض الحياة هنا عصي على الانكسار وأكبر من كل مراهنات السقوط.

ومن خلال هذه البوابة الرياضية الصاخبة، مرر السودان بذكاء خارق وتكنيك عالٍ جداً “كرة الأمان” إلى شباك المجتمع الدولي، مستغلاً اللغة العالمية الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة أو تبرير، فحين يرى العالم بأكمله رئيس الدولة وهو يخترق زئير المشجعين، متحرراً من الحواجز الزجاجية والمسافات المعزولة، يسقط تلقائياً كل رهان مشبوه على غياب الإستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى