مقالات الظهيرة

كيف تواجه الدولة السودانية والقوى الداعمة لها مقترح “بولس” عبر آليات قانونية وسياسية؟

1/ مشروع القرار – أو المذكرة – الذي تقدم به مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أمام مجلس الأمن الدولي في أغسطس 2026، يطالب بدمج مقترح جديد إلى القرار الأممي (1591) لتوسيع حظر التسليح المفروض ليشمل كامل الأراضي السودانية بدلاً من دارفور فقط.

 

2/ من خلال منظور القراءة والتحليل السياسي والدبلوماسي، فإن هذا التحرك الأمريكي المتناغم مع الرغبة الإماراتية، جاء بمثابة طوق نجاة لأبوظبي، ولذلك حظي بدعم معلن وفوري من دولة الإمارات، أملاً في أن يحقق لها عدة أهداف استراتيجية وتكتيكية، حيث ركز مقترح بولس على حظر السلاح “العام” دون ذكر ممرات الإمداد الفعلية أو تسمية الإمارات كداعم رئيسي لقوات الدعم السريع، وهذا الصمت الانتقائي لمقترح بولس عن ذكر الممرات البرية والجوية الإقليمية المعروفة التي يتدفق عبرها السلاح للمليشيا (مثل تشاد وإفريقيا الوسطى) يحمي أبوظبي من الإدانة المباشرة، مما يعطل ويخفف من تأثير تقارير لجنة الخبراء الأممية المتوقع إدانتها للـدور الإماراتي، وبدون إدانة التدخل والعدوان الإماراتي على السودان، فستستمر خطوط إمداد المليشيا السرية عبر الحدود البرية والمطارات الإقليمية المجاورة بعيداً عن الرقابة الفعلية الفورية، وإذا أفلتت الإمارات من الإدانة فإن مشروع القرار الذي تقدم به “بولس” سيؤدي إلى فرض الأجندة الإمارتية بغطاء أمريكي، ويمنح الإمارات الفرصة للظهور بمظهر “الداعم للسلام” والداعي لوقف الدعم الخارجي للجيش أمام مجلس الأمن، مما يشرعن وجودها كطرف أساسي في أي آلية تفاوضية أو سياسية مستقبلية (الآلية الخماسية أو الرباعية) رغم طعن الحكومة السودانية في حياديتها.

 

3/ إن أهم الأهداف التي قد تتحقق للإمارات من هذا المقترح أو خطة “بولس” هو صناعة “فخ إجرائي” لعرقلة محاسبة الإمارات عن أعمالها في السودان، حيث يضع المقترح مجلس الأمن أمام خيارين، إما فرض حظر شامل يقيد الجيش السوداني، أو تعطيل تجديد عقوبات القرار (1591) وفريق الخبراء نتيجة الخلافات الدولية، مما يتيح للإمارات شراء الوقت والإستمرار في تزويد قوات الدعم السريع بالسلاح دون رقابة أو تتبع بعيداً عن المحاسبة، في ظل حجب وإسقاط تقارير لجنة الخبراء، وهذا التكتيك يسعى لتذويب وإغراق التقرير الأخير للجنة الخبراء الأممية الذي يدين أبوظبي بشكل مباشر ويوثق دورها في إمداد المليشيا بالسلاح عبر تشاد، من خلال نقل النقاش داخل المجلس إلى دهاليز جديدة ومشاورات قد تفضي إلى صياغة قرار جديد كلياً.

 

4/ أيضاً من الأهداف التي تسعى إليها الإمارات المساواة الأخلاقية والقانونية بين الجيش والمليشيا، ففرض حظر سلاح على كامل السودان يساوي بين الجيش الوطني (المؤسسة الشرعية المسؤولة عن الدفاع عن الدولة) وبين قوات الدعم السريع (المصنفة كمليشيا متمردة)، مما يغل يد الجيش عن التسلح والدفاع عن المدنيين، وهذا التقييد يشمل استهداف التفوق الجوي للجيش، حيث يركز المقترح صراحة على حظر الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها، وهو السلاح الذي يستخدمه الجيش السوداني بفعالية لقطع طرق الإمداد الإماراتي وحسم المعارك ميدانياً، وقد نجحت الإمارات في استخدام نفوذ وعلاقات “مسعد بولس” لتوفير غطاء دبلوماسي أمريكي، لتمرير هذه الرؤية عبر واجهة الدبلوماسية الأمريكية والبيت الأبيض، مما يبعد عنها الحرج المباشر.

 

5/ إن ضرب وإجهاض هذه المساعي الإماراتية الأمريكية والخروج من هذا الفخ وإحباط أهداف “بولس” وتفكيك الرؤية الإماراتية، يتطلب تحركات استراتيجية مضادة تعتمد على عدة محاور دبلوماسية وعسكرية على النحو التالي:

 

أ. تقوية آلية التنسيق اللصيق مع روسيا والصين داخل مجلس الأمن، والضرب بالفيتو (الحليف الروسي والصيني) لإستخدام حق النقض ضد أي صيغة تسعى لتوسيع الحظر على الجيش السوداني، والعمل بإتجاه حصر العقوبات وحظر السلاح على القوات المتمردة والجهات الخارجية الداعمة لها فقط، والإبقاء على حق الدولة الشرعية في التسليح، وحماية المدنيين، وفرض الأمن، وبالتالي يتم عزل المقترح الأمريكي-الإماراتي وإسقاطه قبل التصويت المقرّر.

 

ب. التمسك بمسار التجديد التلقائي للقرار (1591) عبر رفض دمج مقترح مسعد بولس في مسار تجديد القرار الحالي، لعزل المناورة الإماراتية-الأمريكية وإجبار مجلس الأمن على مناقشة تقرير الخبراء المليء بالإدانات ضد أبوظبي وتشاد بشكل مستقل.

 

ج. التمسك بالشرعية والسيادة الوطنية ورفض المساواة بالمليشيا، وإعلان الحكومة السودانية والجيش رسمياً رفض هذه المقترحات واعتبارها “انحيازاً تكتيكياً” وضغطاً غير محايد، مع التأكيد للعالم على أن الجيش يمثل مؤسسة الدولة الشرعية المعترف بها أممياً، ولا يجوز قانوناً حرمان دولة ذات سيادة من حق الدفاع عن نفسها ومقاومة التمرد بموجب مواثيق الأمم المتحدة.

 

د. تفعيل الدبلوماسية القانونية والحشد الإقليمي عبر آلية مستحدثة لإبراز التناقض القانوني لمجلس الأمن الذي لا يمكنه حظر السلاح عن حكومة معترف بها دولياً وتمثل السيادة، وهذا يستدعى حشد دول الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية لرفض “تجريد الدولة السودانية من حق الدفاع عن النفس” بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

 

هـ. نقل المعركة إلى داخل المؤسسات الأمريكية (الكونغرس) وفق آلية فعالة للتواصل مع أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي الرافضين لسياسات مسعد بولس وعلاقاته المصالحية، وكشف التناقض الدبلوماسي الحاد الذي يورط واشنطن فيه، والضغط لاعتماد قرارات عقابية مباشرة من الكونغرس ضد الأطراف الممولة للمليشيا.

 

و. إبراز وتوثيق خطوط الإمداد الفعلية للمليشيا، والاستمرار في تقديم الشكاوى الرسمية والمدعمة بالدلائل وصور الأقمار الصناعية أمام مجلس الأمن ضد الإمارات وتشاد، فهذا المسار يجبر المجتمع الدولي على مناقشة “خرق الحظر الحالي في دارفور” عبر الممرات المعروفة بدلاً من الهروب لتوسيع الحظر الشامل، مما يضع الإمارات تحت المساءلة القانونية المباشرة ويحرمها من ميزة الاختباء وراء المذكرة الأمريكية.

 

ز. تفعيل الضربات الاستباقية الميدانية ضد المراكز اللوجستية وإستمرار استهداف سلاح الجو والمسيرات السودانية لمراكز تجميع وطرق إمداد المليشيا الحيوية ومطارات الهبوط الإقليمية (مثل ضربات نيالا الأخيرة ومراقبة الحدود مع تشاد وليبيا وأثيوبيا) لفرض واقع عسكري جديد على الأرض يثبت عدم جدوى المقترحات النظرية لبولس، ويقطع شريان الإمداد الفعلي للمليشيا قبل فرض أي قيود دبلوماسية.

 

ح. تعزيز وتوسيع التحالفات الإقليمية البديلة عبر توطيد العلاقات العسكرية والسياسية مع الحلفاء الإقليميين البارزين (مثل مصر، والسعودية، وتركيا) خارج عباءة الضغوط الأمريكية المباشرة، فمثل هذه التحالفات تضمن استمرار تدفق الدعم الفني والتقني ومسيرات الدفاع للجيش السوداني، مما يسقط هدف شل حركة القوات المسلحة السودانية الذي سعت إليه مذكرة “بولس” والإمارات.

 

6/ يحق للسودان الإستفادة من المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فالأصل القانوني لهذه المادة يصف الدفاع عن النفس بأنه “حق طبيعي أصيل” (Inherent Right)، مما يعني أنه حق يسبق قيام الأمم المتحدة نفسها ولا ينشأ عنها، ولذلك يجب التمسك بـ “الحق الطبيعي الأصيل” فوق القرارات الدولية ذات الطابع المريب، ويتطلب ذلك التمييز القانوني القاطع بين “الدولة” و”المليشيا” وإثبات “عنصر العدوان الخارجي” (الموجب للمادة 51) الذي يشترط وقوع عدوان مسلح (Armed Attack)، فالسودان – وبالوثائق والأدلة – لا يتعامل مع الحرب المندلعة على أنها مجرد “نزاع بين طرفين” أو “حرب أهلية داخلية” بل أن يقدمها قانونياً كـعدوان عابر للحدود، مدعوم من قوى إقليمية (الإمارات واخرين) عبر تجنيد آلاف المرتزقة الأجانب وتمرير السلاح عبر دول الجوار (تشاد وإفريقيا الوسطى واثيوبيا وجنوب السودان)، وهذا الدعم الخارجي الموثق في تقارير خبراء الأمم المتحدة يمنح السودان الشرعية الكاملة لتطبيق المادة 51 باعتباره يتعرض لغزو خارجي غير مباشر يغذي هجوم مسلح داخلي يستهدف كيان الدولة.

 

7/ لتفكيك هذه الاستراتيجية وإبطال مفاعيل مذكرة ومقترح “مسعد بولس”، تعتمد المقاربة المضادة على عدة محاور إضافية على النحو التالي:

 

أ. تفعيل دور المقاومة الشعبية وقوات الإحتياط التي تُعتبر ظهيراً وشريكاً أساسياً للجيش السوداني، لمواجهة التداعيات الميدانية والسياسية للقرار الأمريكي-الإماراتي، والبدء في التعبئة الشعبية وإعادة زخم التلاحم الشعبي وفق منظور جديد يهدف إلى “تصفير” مفعول الحظر الدولي وتحييده ميدانياً.

 

ب. التعبئة اللوجستية و”تأميم” الإمداد (الاعتماد على الذات) و”تأمين” السلاح من الخارج، والإهتمام بسلاح الداخل “الغنائم” بتوجيه القوات لإعتماد استراتيجية “التسليح من العدو”، عبر تكثيف العمليات الهجومية والكمائن لغنم أسلحة وذخائر ومدرعات ميليشيا الدعم السريع، مما يحول إمدادات العدو الخارجية إلى مخزون استراتيجي للمقاومة.

 

ج. العمل على إسناد وتأمين خطوط التصنيع الحربي الداخلي، وتعبئة الكوادر الهندسية والتقنية الوطنية من المتطوعين لدعم منظومة التصنيع العسكري السودانية لتعديل وتطوير الأسلحة محلياً (مثل الطائرات المسيّرة، قذائف الهاون، وصيانة الآليات الثقيلة) لتقليل الاعتماد على الاستيراد، والتحوط للتعبئة الميدانية والعسكرية (حرب الاستنزاف الشاملة)، والتركيز على تدريب المقاومة الشعبية على حرب العصابات، والكمائن، والقنص، والتدريب على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة المتاحة بكثرة محلياً.

 

د. نشر وتوزيع قوات المقاومة الشعبية لتأمين المنشآت الحيوية، والمطارات، والحدود البرية في الولايات الآمنة، مما يفرغ قوات النخبة في الجيش السوداني للعمليات الهجومية الكبرى.

 

هـ. من العوامل الهامة التي يجب الإنتباه لها، تأمين الحواضن والعمق الاستراتيجي بعمليات مخابراتية محترفة لتحييد أعداد المليشيا بتلك المناطق.

 

و. إطلاق حملات التعبئة السياسية والإعلامية (صناعة الرأي العام) وإعلاء راية “حرب الوجود وسلب السيادة” بإستخدام المنصات الإعلامية للمقاومة الشعبية لتعبئة الشارع السوداني ضد القرار، الذي يعتبر “مؤامرة أمريكية إماراتية” تهدف إلى نزع سلاح الدولة الشرعية لتمكين المليشيا، مما يرفع من معدلات الاستنفار والتطوع الحر.

 

ز. الضغط على الحلفاء الإقليميين، وتسيير مواكب ووقفات احتجاجية وتوجيه رسائل من الفعاليات المجتمعية والأهلية السودانية إلى برلمانات وحكومات الدول الحليفة (مثل روسيا والصين) لحثهم على استخدام الفيتو لتعطيل القرار في مجلس الأمن.

 

ح. التعبئة الاقتصادية والشعبية لتمويل المجهود الحربي بتفعيل صناديق الدعم الشعبي وإنشاء وتفعيل “صناديق دعم الكرامة” في كافة الولايات والمغتربات لجمع التبرعات المالية والعينية والطبية، وتحويل هذه الأموال مباشرة لشراء الاحتياجات اللوجستية العاجلة والمواد الخام للتصنيع الحربي بعيداً عن الرقابة البنكية الدولية.

 

ط. إسناد القطاع الصحي والطبي وتعبئة الكوادر الطبية والمستشفيات الميدانية الشعبية لعلاج جرحى العمليات، مما يخفف العبء عن المؤسسة العسكرية الرسمية ويزيد من مرونة وصمود المقاتلين في الميدان.

 

8/ يتمثل موقف السودان الحقيقي في مواصلة سحق العدوان وهزم المليشيا، أو اشتراط الانسحاب الشامل لقوات الدعم السريع من المدن والأعيان المدنية كشرط أساسي لوقف إطلاق النار، ورفض أي تسويات لإعادة المليشيا وداعميها للسلطة، وعدم قبول أي تسوية سياسية تعيد قادة الدعم السريع إلى المشهد السياسي، والعوة للحوار الوطني المستقل بعيداً عن التدخلات المباشرة، ويتبقى للسودان التعامل ودراسة المبادرات الإقليمية والدولية بشرط الحفاظ على سيادة الدولة ومؤسساتها، وعدم شرعنة وجود قوات الدعم السريع العسكرية.

عميد م/ ابراهيم عقيل مادبو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى