(كلام ترابلة) عزيزة المعراج تكتب… اللقاء التفاكري بمارنجان يكتب البداية: تناغم الإدارة والري والأمن لفرض سيادة الدولة

في خطوة استراتيجية جاءت في وقتها تماماً، استضافت وحدة أمن مشروع الجزيرة بمارنجان الملتقى التفاكري الأول لمكافحة المهددات الأمنية وتفعيل سيادة القانون تحت شعار «الأمن مسؤولية الجميع»، بمشاركة واسعة شملت السلطة القضائية، النيابة العامة، إدارات المشروع، وقيادات المزارعين.
هذا الملتقى لم يكن مجرد منصة للخطابات، بل جاء كإعلان حرب حقيقي على الفوضى والانتهاكات التي ظل يشهدها هذا الصرح الاقتصادي العملاق، ليعيد إرساء مبدأ التعاون المشترك والحد من الظواهر السالبة التي باتت تقيد الإنتاج.
لا يمكن قراءة مخرجات هذا الملتقى دون الإشادة الكبيرة بالمهندس إبراهيم مصطفى، محافظ مشروع الجزيرة. لقد أثبت المحافظ من خلال إدارته للقاء تعاملاً راقياً يعكس وعياً عميقاً بتركيبة المشروع وطبيعة إشكالات المزارعين.
تميز الرجل بطول بال وتفهم منقطع النظير لشكاوى المزارعين وهواجسهم، مقدماً نموذجاً للقائد الفذ الذي يرى في المزارع شريكاً أساسياً لا خصماً، حيث أكد أن المرحلة تتطلب شراكة فاعلة لإعادة بناء المشروع وتعزيز استدامته وتهيئة البيئة المستقرة للعروة الصيفية.
هذا التناغم انعكس بوضوح على تفاعل مديري الإدارات؛ حيث أظهر مدير الإدارة الزراعية، المهندس علي أحمد إبراهيم، ومدير إدارة الري، المهندس محمد عثمان العوض، حماساً وتفاعلاً كبيراً مع قضايا المزارعين خلال اللقاء، مؤكدين التزام الأجهزة الفنية بالعمل الميداني لحماية الموارد المائية التي تضخ حالياً نحو 21 مليون متر مكعب يومياً عبر القنوات.
وفي خضم هذا الحراك الأمني والقانوني، برز نجم المقدم الشاب عثمان كرار بعلو همته وحماسه الواضح، والذي جسد الركيزة الأساسية لوحدة الأمن في سعيها الدؤوب لفرض هيبة الدولة وتطبيق القانون بحزم، من خلال التنسيق مع الأجهزة الرقابية والعدلية لقطع دابر المخالفات، وحماية المنشآت الحيوية التي تمثل صمام أمان الموسم الزراعي.
رغم الضخ المائي الضخم، إلا أن الأصبع يجب أن يوضع على الجرح النازف للمشروع؛ فالانتهاك الأمني الأكبر يتمثل في عدم الالتزام بالدورة الزراعية فقد صارت الدورة الزراعية في مهب الفوضى . إن زراعة مساحات عشوائية خارج الخطة المعتمدة لا تقتصر آثارها على تشتيت جهود الري وهو اثر قاتل ومضيع لجهود الاصلاح والانتاج ، بل هي أيضا تفتح الباب واسعاً أمام انتشار الآفات والأوبئة الزراعية التي تهدد بانهيار المحاصيل الأساسية نتيجة غياب التزام جماعي بنظام الراحة والتركيبة المحصولية المعتمدة.
هذا الانفلات أفرز شكاوى مريرة ومحقة من مزارعي التفاتيش البعيدة مثل تفاتي ش الشوال التحاميد وغيرها ، حيث أدى التوسع العشوائي وزراعة مساحات خارج الدورة في التفاتيش العليا إلى استهلاك المياه وحرمان هذه الأقسام البعيدة لتصبح تحت وطأة العطش الذي اخرج مزارعيها من دائرة الإنتاج .
تتكامل فوضى الدورة الزراعية مع انتهاكات مباشرة على منظومة الري؛ حيث تشهد القنوات تعديات صارخة على المواجر وتخريباً متعمداً عبر سرقة البوابات ومنظمات المياه مما خلق حالة عارمة من الفوضى المائية وفقدان السيطرة على توزيع الحصص. وإلى جانب ذلك، تبرز الظاهرة الكارثية المتمثلة في “التنكيس” وسرقة المياه مباشرة من المصارف وإعادة استخدامها دون وجه حق، مما يخل بالتوازن المائي للمشروع بالكامل ويحرم الحواشات الملتزمة قانونياً من حقها الطبيعي.
لم تقف المخالفات عند حدود الحقل والري فحسب، بل امتدت يد التخريب لتطال البنية التحتية الإدارية والخدمية للمشروع.
لقد رصدت التقارير تعديات بالغة الخطورة تمثلت في التعدي على أصول ومباني مشروع الجزيرة، من خلال إقامة الأكشاك الثابتة والمتحركة على محارم الترع والمواجر، وقطع الأشجار داخل حرم المشروع، بل ووصل الاستهتار حد التعدي بالبناء داخل حواشات المزارعين والدخول عنوة إلى منازل الإدارة بالغيط والرئاسات دون موافقة مكتوبة. هذا التغول على أصول المشروع يمثل هدماً ممنهجاً لمقومات هذا الصرح العريق، وهو ما يستوجب وقفة حازمة وردعاً قانونياً لا هوادة فيه.
ومن المهددات الكبرى قريبة وبعيدة المدى، ظاهرة انتشار كمائن الطوب كالسرطان الذي يلتهم حرم القنوات والمرافق انتشرت على الترع والمواجر والبراقين والشوارع داخل أراضي المشروع. ويتمثل اثرها قريب المدى: التدمير الفوري للبنية التحتية، إعاقة عمليات الصيانة والكراكات، وتلوث المجاري المائية، فضلاً عن تجريف التربة الزراعية الخصبة ومحارم قنوات الري لصناعة الطوب.
اما الأثر بعيد المدى: إحداث تغييرات خطيرة في طبوغرافية الأرض بالمشروع، تآكل المساحات الصالحة للزراعة، وتهديد انسياب الري الطبيعي المعتمد، مما قد يخرج مساحات شاسعة من الإنتاج مستقبلاً ويحولها إلى أراضٍ بور غير قابلة للزراعة.
آخر الكلام
اهلي الترابلة …. المشروع ماردكم الأخضر فحافظوا عليه.
أيها المزارعون الشرفاء بمشروع الجزيرة.. إن هذا المشروع هو مشروعكم أنتم أولاً وأخيراً، هو ماردكم الأخضر النابض، ومصدر رزقكم الشريف، وعماد الاقتصاد القومي.
إن الإجراءات الصارمة التي أعلن عنها المحافظ بإنشاء نيابات متخصصة وتفعيل الحملات الميدانية ليست قيوداً عليكم، بل هي سياج لحمايتكم وحماية حقوقكم من المتفلتين والعابثين.
إن قيادات المزارعين التي أعلنت دعمها الكامل لإدارة المشروع وضعت يدها في مكانها الصحيح؛ فالواجب اليوم يحتم على كل مزارع أن يكون خفيراً على حواشته، رقيباً على قنواته وأصول مشروعه.
ومتعاوناً مع إدارة المشروع ووحدة الأمن لوضع حد حاسم لهذه الانتهاكات والتعديات. لنجعل من هذا الموسم انطلاقة جديدة لاستعادة هيبة الدورة الزراعية وسيادة القانون، صوناً للمارد الأخضر من أجل مستقبل الأجيال.



