(على بلاطة) عبير دفع الله عزالدين تكتب: بين هدير النهر ..وصوت الإنقاذ… الوعي قبل الغرق

حين يرتفع منسوب النهر لا ترتفع المياه وحدها، بل ترتفع معها مسؤولية الجميع.
فالنهر الذي منح ولاية الجزيرة عبر تاريخها الخير والزرع والحياة، بات في مواسم الفيضان يحمل وجها آخر، وجها يختطف الأرواح ويترك في البيوت حزنا لا يمحوه الزمن.
وللأسف لم تعد حوادث الغرق أحداثا عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة تتكرر مع كل موسم، وتتكرر معها الدموع والندم والأسئلة التي تأتي دائما بعد فوات الأوان.
وفي كل مرة يثبت الواقع أن الغرق لا يفرق بين طفل وشاب، ولا بين ماهر في السباحة أو قليل الخبرة، فسطوة الماء أكبر من كل تقدير خاطئ.
ومن هنا تكتسب الحملة التوعوية الشاملة التي أطلقتها قوات الدفاع المدني بولاية الجزيرة أهمية استثنائية، لأنها لا تنتظر وقوع الكارثة، بل تسعى إلى منعها.
إنها دعوة إلى أن يصبح الوعي خط الدفاع الأول، وأن تتحول الوقاية إلى ثقافة راسخة في المجتمع.
وما أكده اللواء شرطة محمد الأمين النعيم مدير قوات الدفاع المدني بولاية الجزيرة بأن حماية أرواح المواطنين هي الأولوية القصوى، يعبر عن فهم حقيقي لمعنى المسؤولية، فالمؤسسات الناجحة لا تقاس فقط بسرعة استجابتها للحوادث، وإنما بقدرتها على تقليل وقوعها عبر نشر الوعي وتعزيز ثقافة السلامة.
وعلى ضفاف النهر يقف رجال الإنقاذ في مرابطة دائمة، يراقبون المياه ويترقبون أي استغاثة، يحملون في قلوبهم إيمانا بأن إنقاذ نفس واحدة يساوي عالما بأكمله. إنها صورة مشرقة لرجال اختاروا أن يكونوا حراسا للحياة في مواجهة خطر لا يهدأ.
غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدفاع المدني وحده. فالأسرة هي خط الدفاع الأول، والمدرسة شريك في غرس الوعي، والإعلام منبر لترسيخ ثقافة السلامة، وكل مواطن مطالب بأن يدرك أن دقيقة إهمال قد تتحول إلى مأساة تبكيها أسرة كاملة.
لقد آن الأوان أن نتعامل مع ظاهرة الغرق باعتبارها قضية مجتمع لا مجرد خبر في نشرات الأخبار. فكل روح تفقد في مياه النيل أو الترع أو الخيران هي خسارة للوطن بأسره، وكل حادث يمكن منعه بالوعي هو انتصار للحياة.
التحية لقوات الدفاع المدني وهي تؤدي رسالتها في حماية الإنسان، والتحية لكل صوت ينادي بالوقاية قبل وقوع الفاجعة. فالأنهار ستظل مصدر حياة، لكن سلامتنا تظل رهينة بوعينا، واحترامنا لتعليمات السلامة، وإيماننا بأن الوقاية هي دائما الطريق الأقصر إلى النجاة.



