علاء الدين محمد ابكر يكتب: المواطن السوداني ليس كسولاً.. ولكنه لا يملك وسائل الإنتاج!!
هناك من يصف الإنسان السوداني بالكسل، ويتهمه بالعجز عن الاستفادة من أرضه وزراعتها. وهذا اتهام جائر، لا يستقيم مع الواقع ولا مع تاريخ هذا الشعب الذي ظل يعافر مع الأرض والسماء منذ مئات السنين.
الحقيقة أن المواطن السوداني لا يملك شيئاً إلا القليل، ممن أنعم الله عليهم بالمال والأرض. أما الغالبية، فإما مزارعون يعملون منذ الفجر في فلاحة أرضهم، ملكاً كانت أو إيجاراً، وبتمويل ذاتي مرهق، وإما سكان مدن لا يجدون سوى رقعة جغرافية ضيقة بالكاد تكفيهم سكناً، فأنى لهم أن يزرعوا؟
انظر إلى المزارع السوداني. ينهض قبل طلوع الشمس، يحرث، يسقي، يحصد، ويتحمل وحده مخاطر الطبيعة والتمويل. وكثيرون منهم يتعرضون لخسائر موجعة بسبب ضعف الإنتاج، أو المشاكل التقنية، أو العجز عن التخزين الجيد، أو بسبب الأعباء الضريبية التي تثقل كاهلهم قبل أن يروا ثمرة تعبهم.
أما ابن المدينة، فهو محاصر بين غلاء المعيشة وضيق الفرص. يريد أن يزرع، ولكن أين؟ الأرض بعيدة، والتمويل غير متاح، والإجراءات الإدارية معقدة. ولو تقدم مواطن بسيط بطلب للحصول على قطعة أرض زراعية، فهل سيحصل عليها بسهولة؟ أم سيجد نفسه أمام أموال طائلة وسلسلة من المتاعب الإدارية التي تثني العزيمة وتقتل الطموح؟
لماذا يجب على الدولة أن تدعم المواطن الراغب في الاستثمار الزراعي؟
1. الزراعة هي أساس الأمن الغذائي والسيادي
دولة لا تطعم نفسها، تبقى رهينة للخارج. دعم صغار المزارعين والمستثمرين الجدد يعني إنتاجاً محلياً من القمح، الذرة، الخضروات، والفواكه. وهذا يقلل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة، ويحمي المواطن من تقلبات الأسواق العالمية. الاكتفاء الذاتي ليس رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن كرامة الوطن.
2. تشغيل الشباب وكسر دائرة البطالة
القطاع الزراعي إذا فُتح أمامه الباب سيستوعب مئات الآلاف من الشباب. كل مشروع زراعي صغير يحتاج لأيدٍ عاملة، مهندسين، سائقي شاحنات، عمال تعبئة وتغليف. بدل أن يهاجر الشاب بحثاً عن فرصة في الخارج، يجد أرضه أمامه، وفرصته في قريته. وهكذا تتحول الهجرة العكسية إلى واقع.
3. توزيع الثروة وكسر الاحتكار
حين تكون الأرض والتمويل حكراً على قلة، يزداد الفقر وتتسع الفجوة. لكن إذا بسّطت الدولة الإجراءات ومنحت الأراضي بأسعار رمزية، ووفّرت التقاوي والأسمدة والقروض الميسرة، سيدخل آلاف المواطنين دائرة الإنتاج. عندها تتحرك عجلة الاقتصاد من القاعدة، وتتوزع الثروة بدل أن تتركز في يد فئة محدودة.
4. استقرار اجتماعي وأمني
الريف المنتج يعني قرية مستقرة. والقرية المستقرة تعني هجرة عكسية من العاصمة، وضغطاً أقل على الخدمات في المدن، وجريمة أقل، وتماسكاً اجتماعياً أقوى. الإنسان إذا وجد ما يأكله من عرق جبينه، هدأ قلبه واستقام حاله.
5. الاستفادة من الميزة النسبية للسودان
السودان يملك 200 مليون فدان صالحة للزراعة، ومياهاً من النيل والأمطار، ومناخاً متنوعاً. هذه ثروة لا تملكها كثير من الدول. لكن هذه الثروة تبقى خاماً ما لم يحركها المواطن. والدولة هي الجهة الوحيدة القادرة على تهيئة البيئة لذلك عبر البنية التحتية، الطرق، الكهرباء، مراكز التخزين، والأسواق.
كيف يكون الدعم عملياً؟
الدعم لا يعني مجانية مطلقة، بل تمكين ذكي:
– أرض بسعر رمزي مع عقد واضح يمنع المضاربة والبيع السريع.
– تقاوي محسّنة وأسمدة مدعومة عبر جمعيات زراعية تشرف عليها الدولة.
– قروض ميسرة بدون فوائد مرهقة، تُسدّد بعد الحصاد.
– إرشاد زراعي ميداني يعلّم المزارع كيف يزيد إنتاجه ويقلل الفاقد.
– مخازن وصوامع قريبة تحمي المحصول من التلف وتجنب البيع بالخسارة.
– أسواق مركزية ونقل مدعوم حتى يصل المنتج للمستهلك بسعر عادل.
التجربة أثبتت أن الدول التي نهضت زراعياً مثل ماليزيا والبرازيل وإثيوبيا مؤخراً، لم تترك المواطن وحده. تدخلت الدولة كمحفّز ومنظّم ومموّل جزئي، ثم انسحبت تدريجياً حين وقف القطاع على قدميه.
الخلاصة
السوداني ليس كسولاً. السوداني صبور، معطاء، إذا وجد الفرصة أنتج وأبدع. المشكلة ليست في الهمة، بل في الوسيلة. أعطوه الأرض، أعطوه الماء، أعطوه العون، وسترون منه ما يدهشكم.
إذا أرادت الدولة أن تبني اقتصاداً قوياً، فعليها أن تبدأ من الأرض ومن الإنسان الذي يحب هذه الأرض. فالزراعة ليست مجرد محاصيل، بل هي كرامة، واستقلال، ومستقبل.
وإذا توفرت الوسيلة، فالهمة السودانية لا تعرف المستحيل.
علاء الدين محمد ابكر
*alaam9770@gmail.com*



