مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب: ليس من مصلحة الغرب سقوط النظام الإيراني

في دهاليز السياسة الدولية، لا تُدار الصراعات دائماً بمنطق المبادئ المعلنة، بل بمنطق المصالح الخفية. والصراع الإيراني الأمريكي خير نموذج على ذلك. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل تريد واشنطن وحلفاؤها فعلاً إسقاط النظام الإيراني؟ الإجابة ببساطة: لا. لأن سقوطه يتعارض مع مصلحة استراتيجية كبرى للغرب، وتحديداً لمجمعه الصناعي العسكري.

تقوم معادلة الأمن في الخليج منذ عقود على وجود “الخطر الدائم”. فدول الخليج العربية تمثل المشتري الرئيسي للسلاح في العالم، وتنفق مئات المليارات من الدولارات سنوياً على صفقات التسليح. لكن لماذا تشتري؟ الجواب: لأن هناك تهديداً.

هنا تأتي أهمية بقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية كنظام “مُقلق” في نظر العواصم الخليجية. فلو سقط النظام الحالي في طهران، وجاءت حكومة مسالمة، منفتحة، تخلت عن خطاب التوسع وتصدير الثورة، فما هو المبرر الذي ستقدمه وزارات الدفاع الخليجية لشعوبها لإنفاق المليارات على صفقات F-35 ومنظومات باتريوت وثاد؟

شركات السلاح الغربية التي تملك نفوذاً هائلاً داخل مراكز صنع القرار في واشنطن ولندن وباريس، تدرك هذه المعادلة جيداً. بالنسبة لها، استقرار الخليج يعني كساداً في السوق. لذلك لا بد أن يظل “البعبع” موجوداً، طالما أنه يضمن تدفق الأموال.

التاريخ يعيد نفسه. قبل إيران، كان عراق صدام حسين هو “الكابوس” الذي سوّق له الغرب لدول الخليج. وبعد احتلال الكويت 1990، تم تصوير العراق على أنه يسعى لابتلاع كامل شبه الجزيرة العربية، بينما جوهر الأزمة كان نزاعاً حدودياً حول حقل نفطي وديون حرب.

وقبل صدام، كانت الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 هي التي صنعت الخوف الخليجي الأول من طهران. فإيران كانت تعتبر دول الخليج داعمة للعراق، وهو موقف لم تنفه العواصم العربية حينها. ونتيجة لذلك، أصبحت ناقلات النفط الخليجية تحت تهديد الصواريخ والزوارق الإيرانية. وهنا ظهرت الذريعة الذهبية: “حماية حرية الملاحة”. فدخل الأسطول الأمريكي الخامس مياه الخليج، ومنذ ذلك التاريخ لم يخرج. الوجود العسكري البحري الأمريكي في الخليج العربي، أو الفارسي كما تسميه طهران، وُلد من رحم ذلك التهديد.

حتى نظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أطاحت به الثورة عام 1979، كان يمثل تهديداً محدوداً لدول الخليج. أبرز تجلياته كانت محاولة ضم البحرين، التي أفشلها الوجود البريطاني. لكن بعد انسحاب بريطانيا من “إمارات ساحل عمان” مطلع السبعينات، سارعت إيران الشاه إلى ضم الجزر الإماراتية الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، ولا تزال تحتلها حتى اليوم.

عام 2003، أسقطت أمريكا نظام صدام حسين، وانتهى “الخطر العراقي” بعد تدمير 95% من جيشه الذي كان يُصنف يوماً كرابع أقوى جيش في العالم. لكن هل توقف بيع السلاح للخليج؟ كلا. لأن الدور انتقل مباشرة إلى إيران. فدوام الحال من المحال، و”تلك الأيام نداولها بين الناس”.

ومثلما سقط صدام، قد يأتي يوم يسقط فيه النظام الإيراني. لكن ذلك لن يحدث إلا بعد أن تعثر شركات السلاح الغربية على “بعبع جديد” يُقنع دول الخليج بمواصلة سباق التسلح. من هو هذا البعبع؟ هل هو صعود الصين؟ أم تركيا؟ أم فوضى الميليشيات؟ السنوات القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

أما حديث الغرب عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ونشر الحريات، فليس سوى حجج وذرائع جاهزة للتدخل متى ما اقتضت مصلحة السلاح والمال. الأجندة الحقيقية تُطبخ خلف الأبواب المغلقة في عواصم القرار، في اجتماعات مجالس إدارات شركات لوكهيد مارتن ورايثيون وبي إيه إي سيستمز. هناك تُرسم خرائط الصراع، وتُحدد مدة صلاحية “العدو”، ومتى يجب استبداله بآخر.

الخلاصة: بقاء النظام الإيراني، بوضعه الحالي المتوتر، هو استثمار طويل الأجل للغرب. فهو يضمن بقاء الخليج سوقاً مفتوحة للسلاح، ويبرر الوجود العسكري الأمريكي، ويمنع أي تقارب خليجي إيراني قد ينتج عنه استقرار يضر بمصالح تجار الحروب. فالعدو المطلوب ليس العدو الذي يُهزم، بل العدو الذي يبقى.

علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى