عزيزة المعراج تكتب… قلبي على وطني
الوطن عزيز في أي نفس، وحبِّه شيء فطري ومكانه في الفؤاد لا يدانيه مكانة إذ انه مرتبط بوجود الإنسان نفسه وبذاتيته فهو مسقط الرأس وبلد الآباء والأجداد ومرتع الصبا ولنا فيه ذكريات لا يطالها النسيان لذلك فحبه صورة من صور الإيمان؛ ولهذا هو أغلى من كل الأثمان، ولهذا فإن الوطن يعني الإنسان… ولكن …!
هناك مزيج من الأسباب تؤدي بنا الآن إلى السلبية وإلى مشاعر الإحباط واليأس نحو هذا الغالي الذي نحب ونهوى ..الوطن.
بعض هذه الأسباب خارجية ونظرية المؤامرة هنا أوضح من أن تنكر وبعضها الآخر هو محصّلة تراكمات داخلية نتيجة تعثّر محاولات الإصلاح والصراعات والمحاصصات وتخوين الكل للكل و انعدام الثقة في جميع الطيف السياسي وانعدام أفق الحل وقد أصبحت هناك علاقة جدلية بين سوء الأوضاع في الداخل وبين تغلغل الخارج في تفاصيل إدارة حاضر ومستقبل البلاد.
كذلك توجد علاقة سببية بين عطب وفساد الحكومات وبين تدهور أحوال المجتمعات وبالتالي تدهور تعاطي فهم السياسة لذلك نمر الآن مرحلة أشبه بالكوابيس بدأت كأحلامٍ وردية لدى شعب سعى من اجل الحرية والسلام والعدالة ومهر سعيه بالدماء.
ولكن …. استيقظنا والتناحر والفساد أشدّ فتكاً ممّا سبق. ويبدو أنّه لا مواقع «للحالمين» في جحيم صاروا يسمونه سياسة وهي للأسف صارت تفتقد للأرض الوطنية الصلبة، وللوحدة الوطنية الجامعة، وللبناء الفكري والمؤسسي السليم.
نعم، هو واقع سيء جدا ، لكن ماذا بعد؟! هل نظل نجتر الأسف والإحباط هل نهرب من هذا الواقع انصرافا وابتعادا وتجاهلا ؟! وهل يؤدّي الهروب من المشاكل إلى حلّها؟! وهل يصلح الإحباط واليأس وابتعاد الناس عن العمل العام الأوطانَ والمجتمعات؟!
أم أن الحل هو مزيد من الانغماس في هذا الواقع السياسي المأزوم والمتردي ، واقع ملئ بالتهور والتعبئة والتشرذم وواعد بإشعال الغرائز القبلية والجهوية وتلوح في هذا الأفق المظلم بوادر للعنف المسلح الذي سوف يدمر الوطن ويضرب وحدة البلاد في مقتل ويخدم دعاة التقسيم والانفصال وتدويل الأزمات .
هناك شعوبٌ كثيرة مرَّت بظروف مشابهة لما نمر به الآن في السودان لكنها انتفضت ورفضت الموت السريري البطيء، فنهضت من جديد وصحّحت أوضاعها وأرست دعائم مستقبل أجيالها. هناك دول في الجوار الإفريقي (رواندا ) استطاعت أن ترسي قواعد مصالحة وعدالة بعد أن ملئت أنهارها جثثا وموتا …وبدأت نهضة تعتبر الآن مثار فخر واحتذاء .
كذلك التجربة الألمانية، حيث لم ييأس شعب ألمانيا من إمكانات وحدته ومن عوامل تكوينه كأمَّة واحدة، رغم تقسيم ألمانيا لدولتين وبناء ثقافتين متناقضتين ولا تفوتنا تجربة دولة جنوب إفريقيا التي خاضت معركة تحرّرها من النظام العنصري في ظل مجتمع قبلي كانت نسبة الأمّية فيه تفوق الـ 70 في المائة من عدد السكان!.
ورغم كل عناصر الفرقة والتخلّف والأمّية في جنوب إفريقيا، فإنّ التمسّك بالهدف والإصرار على تحقيقه من خلال وسائل سليمة وتحت قيادة مخلصة(نيلسون مانديلا ).
حرّر هذا البلد الأفريقي من نظام عنصري بغيض، وحافظ على وحدة المجتمع، وأوقف الحروب الأهلية القبلية، وبدأ في بناء نظام اجتماعي ديمقراطي، رغم تباين اللون والعرق والمصالح!
أن سنة الله في أرضه والتطوّر الإنساني يفرض حتميّة التغيير عاجلاً أم آجلاً. نتمناه تغييرا للأفضل .. ونتمنى أن يكون ما يمر به السودان حاليا هو المخاض العسير الذي يسبق الولادة والظلمة الحالكة التي يعقبها انبلاج الفجر.



