(كلام ترابلة) عزيزة المعراج تكتب…. البرق: عهد مكتوب بماء الغمام!!
في حضرة البارق الصادق و في عتمة ليلة البارحة، حين بسط السكون رداءه على الكون، تراءت السماء في الأفق البعيد وهي تبرق باتجاهٍ “قِبلي”. تملّكني حينها وجدٌ قديم، وولعٌ شفيف بالانتظار يشبه شغف أجدادنا الرعاة ، فأصررتُ على ألا أطوي ليلتي داخل الجدران، وبقيتُ تحت قبة السماء شاهدة على تجلي قدرة الله في هذا البرق المهيب.
ولم يخلف “القبلي” موعده الصادق، إذ تكلل السهر برذاذ مطرٍ خفيف مسّ وجهي ووجه الأرض بنعومة. ولكني تفائلت خيرا ، أنه لم يكن سيلاً عارماً في مكاني، إلا أن لمعان الأفق البعيد كان يهمس لي بحقيقةٍ أدركها أهل الفراسة في البادية: أن هذا الضوء الرفّاف لا بد وأنه صبّ غيثه السخي، وأفرغ حمولة “أُم رويق” في جهة أخرى قريبة، لترتوي بها أرض عطشى، ويهتز لها وجدان رعاةٍ ومزارعين يرقبون ذات الضوء من مكانٍ آخر.
هذه الرابطة الحية ليست مجرد رصد عابر، بل عهد مكتوب بماء الغمام بين إنسان هذه الأرض وسمائها، فلم تكن قبة السماء بالنسبة للرّعاة والمزارعين مجرد فضاءٍ متسع، بل كانت “ديواناً” مفتوحاً تُقرأ فيه آيات الرزق، وصحيفة غيبٍ حُطّت حروفها بلمعان البرق وحركة الرياح وهدير الرعد.
في بيئة يعتمد شريان حياتها على “الخريف”، طوّر أهل البادية (لا سيما في سهول البطانة “ام هبج” ووديان وقيزان كردفان الفسيحة) مصطلحات دقيقة لتسمية البروق، فليست كل لمعة في الظلام تُبشّر بالبلل، وليست كل سحابة عابرة تسوق الخير . إن للبرق هويات وجهاتٍ تُحدد غزارة المطر أو قلّته:
- البرق القِبلي (مربط العجيل / البرق العبادي)
هو سيّد البروق وأكثرها جوداً وضماناً، يلوح من جهة القبلة (الشمال الشرقي)، أو يميل شرقاً لِيُسمّى “البرق العبادي” نسبةً لديار قبيلة العبابدة العريقة. وإذا تراءى هذا البرق خاطفاً متلألئاً في الأفق البعيد دون سحابٍ مرئي، أسماه أهل كردفان “مربط العجيل” (كأنه موضع لربط صغار الإبل والبقر بانتظار الحلاب من فرط الثقة في هطوله).
هذا البارق لا يخلف وعده، وتُضرب به الأمثال في الكرم الفياض، لذا تهتز له نفوس الرعاة فرحاً، وينشد الحادي ببساطة فطرية وعمق شفيف:
دَاك بَرَاقاً قِبْلِي
فُوقْ عَرَبِي وفُوقْ إِبْلِي
قُومْ يَا بَخِيتْ أَحْلِبْ لِي
لَبَنْ أُمْ زُورْ طَايِبْ لِي
وعندما يبدأ السحاب التراكم تالياً هذا البرق الأسطوري، يصف الشاعر البَدوي هذه الملحمة الكونية وجريان الوديان في لوحة بصرية مدهشة:
بَرْقْ الْقِبْلَة شَالْ شَالَتْ مِعَاهْ بُرُوقْ
خَتَّتْلُو أُمْ رُوِيقْ عَمَّ السَّحَابْ مِنْ فُوقْ
الْعَفْرِتْ رَحَلْ يَبْكِي ويَسَوِّي الْقُوقْ
والضَّحْوِي أَتْرَدَفْ Lِيلُو ونَهَارُو يَسُوقْ
وهنا تتجلى مفردات البادية؛ فـ “أُم رويق” هي السحابة الممتلئة السخية، و”العفرت” هو ريح الغبار التي تسبق المطر وتولي هاربة باكية بصوت “القوق” معلنةً انكسار الجفاف أمام جحافل السيل المطمئن “الضحوي”.
أما البرق العبادي، فله حنين خاص في وجدان الشاعر الذي يربط بين لمعانه والبلاد البعيدة التي تقطنها المحبوبة، فيقول معاتباً السحاب وشاكياً لوعة النوى:
سَحَاباً بَرْقُو عَبَّادِي
بَتِينْ يَا السَّمْحَة بَتْنَادِي؟
طَرِيتْ السَّاكِنْ الْوَادِي
ومَا قَايْلُو بِيصَلْ غَادِي
- برق الصعيد (اليماني)
هو البرق الذي يلوح من جهة الجنوب (“الصعيد” في العامية السودانية). هذا البرق مثير للمشاعر والرهبة معاً، فهو يتميز بلمعان أخاذ قوي يُضيء عتمة الليالي، لكنه غالباً ما يترافق مع عواصف عاتية، ورياح باردة عاصفة تُعرف بـ “الزيفة” أو “الشعفوفة”. وهو مطر سريع عنيف قد يحمل “البرد” الذي يخشى منه أصحاب المزارع والمواشي لما قد يسببه من أضرار، وإن كان يروي الأرض بفيض صاخب.
اما برق الضحى فهو لمعان بلا غيث، وهو البرق الذي يظهر في وضح النهار ومنتصف السماء. هذا البرق تنقصه الدلالة الجغرافية الصادقة، وينظر إليه خبراء البادية بعين التشكيك، فهو مجرد وميض ضوئي ناتج عن تخلخلات هوائية لا يعقبها مطر يُذكر.
وتحفظ الذاكرة الشعبية طرفة بليغة تلخص هذه الخبرة الوجودية؛ إذ تروي الكتب والصدور أن خبيراً سودانياً من رِعاة البادية كان برفقة مستشرق “خواجة” في بادية كردفان، فلمح البدوي “مربط العجيل” في الأفق الصافي، فأمر بنصب الخيمة فوراً لأن السماء ستُمطر قريباً، فرفض الخواجة مستنداً إلى سمائه الصاحية، لكن المطر باغتهم بغزارة كعادتها بروق القبلي. وفي اليوم التالي، لمح الخواجة برقاً يتوسط السماء في وقت الضحى، فصاح مزهواً: “أوه.. مربط عجيل! فلننزل ونستعد للمطر”، فتبسم البدوي وقال له بوقار مستمد من إرث الأجداد: “يا خواجة دا برق ضُحى ما بجيب مطر!”، فأجابه الخواجة بدهشة المستسلم لسر هذه الأرض: “لا.. ربك مخيّر يربط في أي مكان!” .
آخر الكلام
إن البرق في الثقافة والبادية السودانية ليس مجرد تفريغ كهربائي في عباب السماء، بل هو نبض الأرض ورئة البادية التي تتنفس بها؛ هو البشارة التي تجعل الشيخ البدوي يرفع يديه بالدعاء، والشاعر يستل قلمه وربابته لينشد أروع ألحان الدوبيت، والزارع يتهيأ “بترابه وتيرابه” مستقبلاً الحياة الجديدة.
هي سمفونية فطرية عزفتها الطبيعة السودانية، وظل الإنسان هناك حافظاً لمدونتها، قارئاً لصفحاتها بدقة وإجلال يمتزج فيه العلم بالأدب، والتراب بالسماء.



