عزيزة المعراج تكتب… بين التواضع والضعة
هناك مقولة (كلما صغر شأنك في نظرك، زادت قدرتك على التحمل. وحين ترى نفسك لا شيء على الإطلاق فسوف تستطيع أن تتحمل كل شيء).
وبالطبع كلما صغرت نفسك في نظرك، زادت بالفعل قدرتك على التحمل.. ولكن تحمل إهانات البشر وقبول الضيم …. (ومن يهن يسهل الهوان عليه …ما لجرح بميت إيلام).
الإنسان عليه الاتزان واحتواء النفس والتواضع لله تعالى ..ولكن إياك وصغر النفس والضعة ….صغر النفس يدفعك لقبول اللامقبول، ويجرك نحو الخطيئة.
لا يوجد أسمى من مؤمن يعتز بنفسه ويزكيها ويهذبها ، فهي أمانة الله تعالى عنده.
يستمد قوة تحمله لا من صغر النفس ، ولكن من احتساب الأجر عند الله تعالى ..أى يستمدها من قوة حقيقية و ليس من سلبيته.
التواضع يأتي عن قوة و عزة أما تواضع الضعيف الخسيس هو ضعة وهوان.
إياك ثم إياك من صغر النفس المؤمن عزيز النفس، يعلم جيدا أن العزة لله و رسوله و المؤمنين ،فلا يستصغر شأن نفسه ، وفى نفس الوقت هو أبعد ما يكون عن الكبر !!
والتواضع يعني لين الجانب وخفض الجناح وبالتأكيد التواضع لا يعني المهانة والذل.
والفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم بعظمة هذه الحياة التي تأتي من عظمة خالقها وباريها ويتولد أيضا من معرفة الإنسان بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خلق التواضع وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له أحد فضلاً ولا يرى له عند أحد حقاً بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله. أما الضعة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل الشهوات والرغبات كتواضع طالب عرض الدنيا لمن يظن أنه يملكها.
وسبحان الله دائما الحرص على الدنيا يورث المهانة.
واعتقد أن التواضع يأتي أيضا من معرفة بفن الحياة .. فالتعايش مع الناس ومع خلق الله جميعا هو فن نحتاج أن نتقنه حتى نعمر هذه البسيطة ونجعل العيش فيها أن لم يكن ممتعا على الأقل أن يكون ميسرا وسهلا دون تعقيد.
ومن فنون الحياة الانسجام معها وان تكون عنصر تفاعل ايجابي وقد علمنا سيد الخلق أجمعين هذه الايجابية والتواضع الناتجة عن فهم عميق لماهية وحقيقة الحياة فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلف الناضح ويعقل البعير ويقمّ (يكنس) البيت ويحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويطحن عنه إذا تعب.
ويشتري الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلّقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه ويصافح الغني والفقير والصغير والكبير ويسلم مبتدئاً على كل من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد ليست له ملابس للبيت وأخرى للخروج ولا يستحي من أن يجيب إذا دعي وان كان أشعث أغبر كان صلى الله عليه وسلم هيّن المؤنة لين الخلق كريم الطبيعة جميل المعاشرة طلق المحيا بسّاماً من غير ضحك محزوناً من غير عبوس شديداً في غير عنف متواضعاً في غير ضعة اللهم صلي وسلم عليه تسليما كثيرا .
اللهم اجعلنا من زمرة المتواضعين الذين يعرفون حقيقة أنفسهم وحقيقة هذه الحياة ويتفاعلون معها انسجاما وتفهم وتواصلا ومن الذين أثنى الله عليهم.
قال تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)…. صدق الله العظيم



