مقالات الظهيرة

ظل العزة والكرامة.. الحزن النبيل حين يغني القلب وجعه ولا يندم على الحب!! 

بقلم: مصطفي محمد احمد ادريس*

– ليست كل الاغنيات التي تسكن الوجدان تصنعها الالحان الجميلة وحدها فبعضها يولد من وجع عميق ويجد طريقه الى القلوب لأنه يشبه حكايات عاشها الناس او تمنوا لو انهم لم يعيشوها ومن بين تلك الاعمال الخالدة تقف اغنية الحزن النبيل للفنان الراحل مصطفى سيد أحمد واحدة من اجمل لوحات الشجن في تاريخ الاغنية السودانية .

 

– هذه الاغنية ليست مجرد كلمات عن حبيب رحل او قصة فراق عابرة بل حكاية انسان احب بصدق وبذل كل ما يستطيع ليصنع الفرح لمن احب حتى وجد نفسه في نهاية الطريق وحيدا لا يحمل من الرحلة سوى الحسرة والاسف الطويل .

 

– وراء هذا الإبداع ثلاثة اركان لا يمكن فصل احدها عن الاخر

 

– الشاعر صلاح حاج سعيد الذي كتب الكلمات بعبقرية شاعر يعرف كيف يحول المشاعر المعقدة الى صور بسيطة وعميقة والفنان مصطفى سيد احمد الذي تولى تلحينها واداءها فوهبها من روحه واحساسه ما جعلها تتجاوز حدود الاغنية العاطفية الى مساحة اوسع من الوجدان الانساني .

 

– تبداء الحكاية باعتراف موجع انسان ظل يغني لمن احب لكنه لم يعد يغني افراح اللقاء بل اصبح يستعيد الحسرة والاسف فقد حاول ان يأتي بالفرح ومشى في سبيل ذلك حتى المستحيل وقدم التضحيات دون حساب ظنا منه ان الوفاء وحده قادر على حماية الحب من الانكسار .

 

– لكن النهاية لم تكن كما اراد

– فبدلا من ان يجد حضن الفرح وجد نفسه في حضن الاسى وبدلا من ان تكلل رحلته بالوفاء انتهى به الطريق الى ما سماه الشاعر بذكاء مدهش الحزن النبيل .

 

– وتتعمق الحكاية حين يستعرض العاشق كل الخطوات التي مشاها وكل ما قدمه من وفاء وكأنه يراجع رحلة عمر كاملة لا ليحاسب الطرف الاخر وانما ليقول ان قلبه لم يقصر وإنه احب بكل ما يملك من صدق ومشاعر .

 

– وهنا تتجلى عظمة صلاح حاج سعيد فهو لا يقدم عاشقا منكسرا يستجدي الشفقة بل انسانا يعترف بألمه دون ان يتبراء من حبه ويصل الى لحظة نادرة من التصالح مع النفس حين يؤكد انه لا يحمل الندم على تجربة احب فيها بصدق .

 

– اما مصطفى سيد احمد فقد كان حكاية اخرى داخل الحكاية لم يكن مجرد صوت يؤدي كلمات مكتوبة بل كان يمنح كل مفردة احساسها ويترك للموسيقى ان تحكي ما تعجز عنه الكلمات وتأتي المقدمة الموسيقية بما تحمله من شجن وحوار الآلات وخاصة الساكسفون والجيتار لتفتح بابا واسعا من الحنين قبل ان يبداء صوته في ملامسة الجرح .

 

– وهنا تكمن عبقرية الاغنية

– فالحزن فيها ليس ضعفا والوفاء ليس هزيمة والحب الذي لم تكتمل حكايته ليس بالضرورة تجربة تستحق الندم فقد يخسر الانسان من احب لكنه يخرج من التجربة محتفظا بنبل مشاعره وصدق عطائه .

 

– رحل صلاح حاج سعيد ورحل مصطفى سيد احمد لكنهما تركا لنا عملا لا تشيخ مشاعره ولا تنتهي حكايته احدهما كتب الوجع بحروف شاعر والاخر عزفه بأوتار موسيقار وغناه بقلب انسان .

 

– الحزن النبيل لم تكن اغنية عن الفراق وحده بل كانت درسا في كرامة الحب فليس كل من خسر حبيبا خسر نفسه وليس كل قلب خرج مجروحا خرج نادما .

 

– سلام على صلاح حاج سعيد الذي صاغ الحزن شعرا وسلام على مصطفى سيد احمد الذي جعل من ذلك الشعر لحنا يسكن الذاكرة .

 

– فبعض الاغنيات نسمعها وننساها وبعضها نسمعها فنستعيد اشخاصا واماكن وحكايات اما الحزن النبيل فنسمعها فنجد انفسنا داخلها وكأنها كتبت لتروي شيئا خبأناه في اعماق قلوبنا .

 

– انه الحزن حين يحتفظ بنبله والوجع حين يتحول الى ابداع لا يموت .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى