مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب.. الكهرباء جات… املوا الباقات.. هسي بتقطع يا جعفر! منذ عهد النميري وحتى اليوم.. لماذا لا تزال الكهرباء ضيفاً عابراً في بيوت السودانيين؟

«الكهرباء جات… املوا الباقات.. هسي بتقطع يا جعفر!»

 

جعفر هنا هو الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، الذي حكم السودان ستة عشر عاماً، قبل أن تطيح به انتفاضة أبريل الشعبية عام 1985.

 

لكن العبارة لم تمت برحيل صاحبها، بل ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية، تتجدد كلما انقطعت الكهرباء، وكأن الزمن توقف عند تلك السنوات، وكأن السودان لم يتحرك إلى الأمام إلا في صراعاته السياسية والعسكرية!

 

والمقصود من استدعاء هذه العبارة ليس استعادة ذكريات الماضي، وإنما تذكير النخب السياسية والعسكرية، وكل من تولى مسؤولية الحكم، بأن الدول لا تُبنى بردود الأفعال، ولا بإدارة الأزمات بعد وقوعها، وإنما بالتخطيط والاستعداد لعاديات الأيام.

 

ستة عشر عاماً من حكم النميري، ثم عقود أخرى.. فماذا فعلنا؟

 

ماذا أنجز السودان في قطاع الكهرباء منذ ذلك العهد وحتى اليوم؟ وماذا أعددنا لمواجهة الزيادة السكانية، والتوسع العمراني، واحتياجات الزراعة والصناعة والخدمات؟

 

لقد ظل اعتمادنا على التوليد المائي والحراري، بينما لم نمنح مصادر الطاقة البديلة، وفي مقدمتها الشمس والرياح، ما تستحقه من اهتمام واستثمار يتناسبان مع إمكانات بلادنا.

 

السودان الذي تتوافر فيه مساحات شاسعة تتعرض للشمس معظم أيام العام، كان ينبغي أن يكون من الدول الرائدة في استغلال الطاقة الشمسية، لا أن يظل أسير أزمات التوليد والوقود، يدفع المواطن ثمنها من أعصابه وجيبه، وتدفعها الدولة من مواردها المحدودة.

 

ولا نتحدث هنا عن غياب الإمكانات بقدر ما نتحدث عن غياب الرؤية المتكاملة، وضعف الأولويات، وانشغال النخب بالصراع على السلطة، بدلاً من التنافس في تقديم الحلول والإبداع في إدارة الموارد.

 

دولة يخدم فيها المواطن الحكومة!

 

من المفارقات المؤلمة في واقعنا أن المواطن السوداني يُطالب بالصبر على انقطاع الكهرباء، والصبر على شح المياه، والصبر على غلاء المعيشة، والصبر على تدهور الخدمات، وكأن الصبر أصبح سياسة حكومية، وكأن واجب المواطن أن يتحمل، بينما يظل حقه في الخدمة الأساسية مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.

 

لقد انقلبت المعادلة؛ فبدلاً من أن تكون الحكومة في خدمة الشعب، أصبح الشعب هو المطالب بخدمة الحكومة، وتحمل إخفاقاتها، والتكيف مع عجزها.

 

ولكن إلى متى؟

 

الكهرباء ليست رفاهية، ولا خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها. إنها شريان الحياة للاقتصاد، وشرط أساسي لتشغيل المصانع، واستقرار المستشفيات، ونجاح الزراعة، وانتظام التعليم، وجذب الاستثمار.

 

ولا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية أو إعادة إعمار أو تنمية صناعية، بينما يظل التيار الكهربائي خاضعاً للبرمجة والانقطاع، وتظل المنشآت الإنتاجية عاجزة عن التخطيط لاستمرار العمل.

 

نريد كهرباء موجودة، لا كهرباء موعودة!

 

إن السودان بحاجة إلى سياسة جديدة لقطاع الكهرباء، تقوم على تنويع مصادر التوليد، والتوسع الجاد في الطاقة الشمسية والرياح، وتشجيع الاستثمار الخاص، وربط إنتاج الكهرباء باحتياجات الزراعة والصناعة، مع نشر بيانات واضحة عن تكلفة الإنتاج، وحجم العجز، وخطط المعالجة، والجداول الزمنية للتنفيذ.

 

ونحتاج إلى محاسبة المسؤولين على النتائج، لا الاكتفاء بالوعود والتصريحات. فالمواطن لا يريد أن يسمع عن ميغاواط أُضيفت إلى الشبكة بقدر ما يريد أن يرى الكهرباء مستقرة في منزله ومصنعه ومزرعته.

 

كما نحتاج إلى ساسة جدد بعقلية مختلفة، لا تجعل السلطة غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة الناس، ولا تقيس النجاح بعدد المؤتمرات والخطابات، وإنما بما يتحقق على الأرض من خدمات وإنتاج وتحسن في حياة المواطنين.

 

وأخيراً…

 

لقد سقطت حكومات، وتغيرت أنظمة، وتعاقب المسؤولون، لكن المواطن السوداني لا يزال يترقب عودة الكهرباء، ويستعجل تشغيل أجهزته، ويملأ بطارياته كلما أضاءت اللمبات، خوفاً من انقطاع جديد.

 

فهل يعقل أن تظل هذه حكايتنا بعد كل هذه العقود؟

 

نريد عهداً جديداً تكون فيه الكهرباء خدمة مستقرة، لا مناسبة للاحتفال المؤقت؛ وتكون فيه الحكومة خادمة للشعب، لا حكومة تعيش على معاناته وتطالبه بالصبر.

 

كفاية برمجة في الكهرباء، وكفاية برمجة في العقول والسياسات!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى