رؤية وطنية… نكتب للوطن… ونفكر للمستقبل… يا أبناء السودان… الرجل الصالح يدُ الله فوق يد الجماعة

رؤية وطنية… نكتب للوطن… ونفكر للمستقبل
=================
بقلم : ابوعبيدة احمد علي
إلى أبناء وطني العزيز الحبيب… رجالًا ونساءً، شيبًا وشبابًا
قرأتُ كلماتٍ بالغة الصدق، تدعو العائدين إلى السودان بعد غياب أن يدخلوا أرضًا مثخنةً بالجراح، كما يدخل المرء غرفةَ مريض خرج لتوّه من العناية المركزة؛ فيخفض صوته، ويهدّئ قلبه، وينزع عن عينيه نظارات المقارنة، فلا يحاسب المريض على نحوله، ولا يلوم الجريح على جراحه.
وأعجبتني الفكرة حتى الدهشة؛ لأنها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت وطنًا يتحدث عن نفسه.
وليتني عرفت اسم صاحبها، لأوفيه حقه ثناءً معطرًا برائحة بلادي، تلك الرائحة التي هي عندي أزكى من الفل، وأعبق من المسك، وأبقى في النفس من كل عطر.
لكنني، وإن جهلت صاحب الكلمات، فقد عرفت الوطن الذي كتبها.
ذلك الوطن هو السودان.
يا أبناء وطني العزيز الحبيب…
عودوا إلى السودان كما يعود الابن إلى أبيه المريض، لا كما يعود القاضي إلى متهم؛ عودوا إليه بقلوب الرحمة، وبأيدي البناء، وبعقولٍ تبحث عن الحلول، لا بعيونٍ تبحث عن العيوب.
فالسودان ليس فقيرًا في الكرامة، ولا قليلًا في المواهب، ولا عقيمًا في الموارد.
السودان مثخن بالجراح، لكنه لم يفقد عافيته.
السودان صاحب القلب الكبير، أرض المحنة والمحبة، وخزينة الوفاء والإخلاص، وموطن الإنسان السوداني الذي ظل، أينما وطئت قدمه، يحمل معه قيم الأمانة والفضيلة والكرم وحسن الخلق.
لقد بنى السودانيون وأعمروا، وأسهموا في نهضة بلدان كثيرة، ولا سيما في الخليج والمملكة العربية السعودية، وتركوا وراءهم سيرةً طيبةً يشهد بها من عرفهم وعمل معهم.
فكيف نعجز عن بناء وطننا ونحن الذين حملنا قيم البناء إلى الآخرين؟
يا أهل السودان…
لا تنظروا إلى وطنكم بعين الخراب وحدها، فانظروا بعين الإمكان.
انظروا إلى أرضٍ فيها النيل، وفيها الزراعة والرعي، وفيها الذهب والمعادن، وفيها القطن والصمغ العربي، وفيها موارد طبيعية هائلة، وفيها طاقات بشرية لا تنضب.
انظروا إلى أقاليم السودان كافة؛ ففي كل ناحية حكاية ثروة، وفي كل بقعة فرصة، وفي كل إنسان سوداني مشروع نهضة إذا وجد البيئة التي تحفظ كرامته وتفتح أمامه الطريق.
إن السودان ليس بلدًا ينقصه الخير، وإنما ينقصه حسن إدارة الخير، ووحدة الإرادة، واستقرار الدولة، وصدق النية.
وما أكثر ما نملك!
لكن السؤال الحقيقي ليس:
ماذا يملك السودان؟
بل:
ماذا سيفعل السودانيون بما يملكون؟
إن وطنًا بهذه المساحة، وبهذا التنوع، وبهذه الثروات، وبهذا الإنسان، يستطيع ـ إذا أحسن أبناؤه إدارة اختلافاتهم ـ أن يتحول من ساحة للأزمات إلى منصة للنهضة.
ولذلك فإن رسالتي اليوم ليست إلى السياسي وحده، ولا إلى العسكري وحده، ولا إلى المثقف وحده، وإنما إلى كل سوداني وسودانية.
أقول لكم:
كفى تنازعًا يستهلك الوطن.
كفى جهويةً تفرّق أبناءه.
كفى عنصريةً تقتل معنى المواطنة.
كفى إقصاءً يجعل الوطن غنيمةً لفئة دون أخرى.
وكفى حزبيةً حين تتحول من وسيلة لخدمة الناس إلى جدارٍ يفصل السوداني عن أخيه السوداني.
إن السودان أكبر من الأحزاب، وأوسع من القبائل، وأبقى من الأشخاص، وأعظم من المناصب.
السودان وطنٌ لا ينبغي أن يكون ملكًا لأحد، بل مسؤوليةً على عاتق الجميع.
فلنمزق عباءة التشتت، ولنضع السودان أولًا.
لا أريد سودانيًا يسأل أخاه:
من أي قبيلة أنت؟
ولا من أي جهة؟
ولا من أي حزب؟
بل أريده أن يسأله:
ماذا تستطيع أن تقدم للسودان؟
تلك هي الأسئلة التي تبني الدول.
يا أبناء السودان…
إذا عدتَ من الغربة، فلا تعد لتقول:
«البلد تعبان».
نحن نعرف أن البلد متعب.
ونعرف حجم الجراح.
ونعرف كم فقدنا وكم تهدمت وكم تألمنا.
لكن التعب ليس تهمة.
والخراب ليس قدرًا أبديًا.
والجراح لا تعني أن الجسد مات.
فإذا لم تستطع أن تكون طبيبًا، فلا تكن سكينًا.
وإذا لم تستطع أن تبني بيتًا، فلا تهدم جدارًا.
وإذا لم تستطع أن تحمل حجرًا، فاحمل كلمةً طيبة.
وإذا لم تستطع أن تقدم مالًا، فقدّم فكرة.
وإذا لم تستطع أن تفعل شيئًا، فلا تؤذِ من يحاول أن يفعل.
ساعد… أو اصمت.
ابتسم في وجه عامل النظافة.
علّم طفلًا.
اسقِ عطشانًا.
ازرع شجرة.
ساعد مدرسة.
ساند مستشفى.
أصلح ما تستطيع إصلاحه.
واجعل من عودتك إلى السودان عودةً إلى المسؤولية، لا عودةً إلى الفرجة.
فالأوطان لا تنهض بالمتفرجين.
الأوطان تنهض برجالها ونسائها حين يتحول الحب من قصيدةٍ إلى عمل، ومن دمعةٍ إلى فكرة، ومن أمنيةٍ إلى مشروع.
يا أهل السودان…
لقد آن لنا أن نكف عن سؤال:
من المسؤول عن خراب السودان؟
وأن نبدأ بسؤال أكثر شجاعة:
ماذا أستطيع أنا أن أفعل لإنقاذ السودان؟
ذلك هو السؤال الذي سيغيّر التاريخ.
إننا لا نريد سودانًا يصفق فيه بعضنا لبعض، ولا سودانًا يستهزئ فيه بعضنا ببعض.
نريد سودانًا ينزل فيه الجميع إلى الميدان.
سودانًا يحمل فيه المهندس مخططه، والطبيب سماعته، والمعلم كتابه، والمزارع محراثه، والعامل أدواته، ورجل الأعمال ماله، والمثقف قلمه، والشاب طاقته، والمرأة حكمتها وخبرتها، وكل مواطنٍ ما يستطيع أن يقدم.
نريد أن نقف جميعًا أمام وطننا ونقول:
«يا سودان… جئنا لا لندينك، بل لنعينك.
جئنا لا لنبكي على خرابك، بل لنرمم ما تهدم.
جئنا لا لنبحث عن نصيبنا منك، بل لنبحث عن نصيبك في أعمارنا.»
فيا أبناء السودان…
السودان ليس بلدًا انتهى.
السودان بلدٌ يبدأ من جديد، وإن بدا لنا أحيانًا أنه يبدأ من بين الركام.
وقد يكون أعظم ما في هذه المحنة أنها كشفت لنا حقيقةً لا ينبغي أن ننساها:
أن الوطن لا يحميه إلا أبناؤه، ولا يبنيه إلا أبناؤه، ولا يرفعه إلا أبناؤه.
فلنختلف، نعم؛ ولكن لا نتقاتل.
ولنتنافس، نعم؛ ولكن لا نتآمر.
ولنختلف في الرأي، ولكن لا نختلف على الوطن.
ولنجعل السودان هو المساحة التي تتسع للجميع.
إن أحسنّا النية، ووحّدنا الكلمة، وأعلينا المواطنة فوق الجهوية، والدولة فوق الحزب، والوطن فوق الشخص، فإن السودان قادر ـ بإذن الله ـ على أن يستعيد مكانه، وأن يتحول من وطنٍ يشتكي أبناؤه جراحه إلى وطنٍ يفخر أبناؤه بنهضته.
ولذلك أقول لكل عائد:
لا تقف على باب السودان متفرجًا.
ادخل.
صافح ترابه.
قبّل جبين أمهات شهدائه.
ابتسم لأطفاله.
ارفع حجارة البيوت المنهارة.
اسقِ شجرةً عطشى.
ضع يدك في يد أخيك.
وقل بصوتٍ يسمعه الوطن كله:
«جئتُ لأبني وطني.»
وإذا قالها ملايين السودانيين بصدق، فلن يبقى السودان جريحًا إلى الأبد.
سيقوم.
وسينهض.
وسيعود كما نعرفه:
وطنًا كبيرًا، كريمًا، عزيزًا، متفردًا بإنسانه، غنيًا بأرضه، عظيمًا بنيله، شامخًا بأهله… السودان الذي يستحق أن نحبه، وأن نحميه، وأن نبنيه.
ولن أقول في ختام رسالتي إلا ما ينبغي أن يكون عهدًا بيننا جميعًا:
السودان أكبر من خلافاتنا، وأبقى من أحزابنا، وأعظم من أشخاصنا.
فليكن السودان أولًا…
ثم ليأتِ بعد السودان كل شيء.
—
محبكم في الله والوطن
أبوعبيدة أحمد علي عباس
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية
مجلس الصداقة الشعبية العالمية
رؤية وطنية
نكتب للوطن… ونفكر للمستقبل



