مقالات الظهيرة

(رؤية وطنية : نكتب للوطن ونفكر للمستقبل)… ما بعد الحرب… كيف يُصنع السودان الجديد؟

بقلم/ أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية

رئيس مجلس الصداقة الشعبية العالمية

رئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر

إذا كانت الحروب تُختبر فيها قوة الجيوش، فإن ما بعدها يُختبر فيه وعي الأمم. فالانتصار الحقيقي لا يكتمل بإسكات صوت المدافع، وإنما يبدأ يوم تتجه السواعد إلى البناء، وتلتقي الإرادات على صناعة المستقبل.

لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لهذه الحرب. سالت الدماء، وتهدمت البيوت، وتعطلت المدارس والمستشفيات، وتضررت البنية التحتية، وفقد ملايين المواطنين الأمن والاستقرار. غير أن الأمم الكبيرة لا تجعل من مآسيها نهاية الطريق، بل تحولها إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر نضجًا وقوة.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار الحجر وحده، بل إلى إعادة إعمار الإنسان. فالمدن يمكن أن تُبنى في سنوات، أما بناء الثقة، وترسيخ قيم المواطنة، وإحياء روح المسؤولية الوطنية، فهو المشروع الأكبر الذي ينبغي أن تتضافر من أجله جهود الدولة والمجتمع معًا.

لقد أثبتت التجارب أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج ولا باتساع الطرق، وإنما بقدرة الدولة على توفير العدالة، وصون الكرامة الإنسانية، وبناء مؤسسات قوية، وتعزيز سيادة القانون، وإتاحة الفرص المتكافئة لجميع المواطنين دون تمييز.

كما أن المرحلة القادمة تتطلب مراجعة شاملة لأولويات الدولة. فالتعليم يجب أن يعود ليكون مصنعًا للعقول، والزراعة ركيزةً للأمن الغذائي، والصناعة محركًا للاقتصاد، والبحث العلمي بوابةً للمنافسة، والدبلوماسية جسرًا يعيد السودان إلى مكانته الطبيعية في محيطه الإقليمي والدولي.

إن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية، والثروة البشرية، والموقع الجغرافي، ما يؤهله لأن يكون قوة اقتصادية مؤثرة إذا أُحسن استثمار هذه المقومات في ظل رؤية وطنية واضحة، وإدارة رشيدة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

ولعل أعظم درس قدمته هذه المرحلة هو أن الوطن لا يبنيه طرف واحد، ولا ينهض به تيار واحد، بل يصنعه جميع أبنائه حين يجتمعون على كلمة سواء، ويجعلون السودان أكبر من خلافاتهم، وأسمى من مصالحهم، وأغلى من كل انتماء ضيق.

إن المستقبل لا يُورث، بل يُصنع. ولا تُصنع الأوطان بالشعارات، وإنما بالإرادة، والعمل، والانضباط، والإخلاص، والإيمان بأن لكل جيل مسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على توثيق ما جرى، بل تمتد إلى رسم الطريق الذي يمنع تكرار المأساة، ويؤسس لدولة حديثة، عادلة، قوية، تتسع لجميع أبنائها، وتحفظ كرامتهم، وتستثمر تنوعهم، وتطلق طاقاتهم نحو البناء والإبداع.

لقد انتصر السودان لأنه رفض أن يستسلم. وسيبقى منتصرًا إذا جعل من هذا الانتصار بدايةً لنهضة وطنية شاملة، يكون عنوانها الإنسان أولًا، والوطن دائمًا، والمستقبل للجميع.

ولذلك، فإن هذه المقالات الثلاث ليست خاتمة الحديث، بل بدايته. إنها تمثل المدخل الفكري لمشروع كتاب نطمح أن يكون شهادةً على مرحلة من أخطر مراحل تاريخ السودان، ووثيقةً وطنيةً تستخلص الدروس، وتستشرف المستقبل، وتقدم رؤية عملية لبناء الدولة بعد الحرب.

الكتاب القادم

من مؤامرات التقسيم إلى انتصار إرادة الوطن

السودان بين المأزق التاريخي وآفاق النهضة الشاملة

وسيكون هذا الكتاب، بإذن الله، في عشرة أبواب، لا يكتفي برواية الأحداث، بل يحلل جذورها، ويستخلص عبرها، ويقدم مشروعًا وطنيًا متكاملًا للإصلاح السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، والدبلوماسي، حتى يكون مرجعًا للأجيال القادمة، وإسهامًا صادقًا في مسيرة بناء السودان الجديد.

والله ولي التوفيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى