د.عبد الرؤوف قرناص يكتب… مصر وإثيوبيا في اجتماع البريكس… والسودان منتكس!!

تدور الأيام، والغافل لا يلوم إلا نفسه.
تجمع البريكس BRICS، وهو الاسم المكوّن من الأحرف الأولى للدول المؤسسة: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، بدأ كتجمع اقتصادي يسعى إلى تعزيز التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستثمار بين أعضائه.
واليوم أصبح التجمع أوسع بكثير، وانضمت إليه دول من بينها مصر وإثيوبيا، جارَتا السودان شمالًا وشرقًا.
وهنا يصبح السؤال السوداني مؤلمًا أكثر من أي وقت مضى.
مصر، بعد حرب أكتوبر والعبور، اختارت إلى حد كبير طريق الدبلوماسية في إدارة خلافاتها الخارجية، وركزت على تثبيت الدولة وتحريك الاقتصاد وجذب الاستثمارات وبناء المؤسسات. لم يكن الطريق سهلًا، ولم تصبح مصر دولة اقتصادية كبرى بين ليلة وضحاها، لكنها أدركت أن استقرار الدولة شرط للتنمية، وأن التنمية بدورها إحدى أدوات حماية الاستقرار.
أما إثيوبيا، فقد استوعبت الدرس بطريقتها.
ففي مطلع التسعينيات، وفي الفترة نفسها التي شهد فيها السودان انقلاب الإنقاذ عام 1989، وصلت الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية إلى الحكم بقيادة ميليس زيناوي. وعلى مدى العقود التالية وضعت الدولة الإثيوبية التنمية والبنية التحتية والتوسع الاقتصادي في مقدمة أولوياتها.
كان هناك خلاف سياسي، وكانت هناك أزمات وصراعات داخلية، ولكن ظل هناك إدراك بأن الدولة لا تستطيع أن تأكل من رصيد المستقبل إلى الأبد.
فكانت الطرق والمطارات والكهرباء والمناطق الصناعية وسد النهضة، إلى جانب التوسع في الخطوط الجوية والتجارة والاستثمار.
واليوم تقف إثيوبيا في موقع اقتصادي وإقليمي مختلف تمامًا عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، وتمتلك واحدة من أبرز شركات الطيران في القارة، وتتحرك بثقل متزايد في الاقتصاد والسياسة الأفريقية.
ومصر وإثيوبيا، رغم اختلاف التجربتين، وصلتا إلى نتيجة واحدة:
لا يمكن بناء دولة قوية باستهلاك الدولة في الصراعات السياسية والعسكرية بلا نهاية.
وهنا نصل إلى السودان.
ثلاثة عقود وأكثر من عمرنا ضاعت في صراعات وانقلابات وحكومات انتقالية وحروب وتمكين وإزالة تمكين ومكايدات سياسية، بينما كان الجيران يبنون.
كان السودان يمتلك الأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعدنية والزراعية، ويمتلك موقعًا جغرافيًا لا يقدّر بثمن، ويمتلك شعبًا قادرًا على الإنتاج، لكنه ظل عاجزًا عن تحويل هذه الإمكانات إلى دولة منتجة مستقرة.
السؤال الحرج للنخب السودانية ليس: لماذا تقدم الآخرون؟
السؤال الحقيقي هو:
أين كنتم عندما كان الجيران يبنون؟
ماذا فعلنا نحن خلال العقود التي كانت فيها إثيوبيا تبني سدودها وطرقها ومطاراتها وصناعاتها، وكانت مصر توسع بنيتها التحتية وتعيد ترتيب اقتصادها؟
ولماذا ظل السودان يستهلك أفضل سنواته في معارك سياسية لا تنتهي، بينما كان يمكن أن تكون تلك السنوات هي سنوات البناء والتصنيع والزراعة والتصدير؟
لا نحتاج إلى جلد الذات، ولا إلى تعليق أخطائنا على شماعة الآخرين.
نحتاج إلى شجاعة الاعتراف.
من يشعل النار في داره، لا يلوم الآخرين إذا زادوه حطبًا.
لقد آن للسودان أن يطفئ النار، ويعيد بناء داره، ويستعيد الدولة ومؤسساتها واقتصادها.
فالذي فات لا يمكن استعادته، لكن المستقبل لم يفت بعد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.



