مقالات الظهيرة

محمد أحمد البشرى يكتب… نحو بناء العقد المجتمعي السوداني من إدارة الأزمة إلى معالجة جذور المشكلة السياسية!!

لم يعد السودان بحاجة إلى مزيد من الحلول المؤقتة التي تتعامل مع الأزمات السياسية باعتبارها أحداثاً منفصلة، وإنما أصبح في حاجة إلى وقفة وطنية جادة تبحث في جذور المشكلة، وتضع أساساً جديداً للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات الوطن المختلفة.

فمنذ الاستقلال، ظل السودان ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن تسوية إلى تسوية، ومن مرحلة انتقالية إلى مرحلة انتقالية، بينما بقيت الأسئلة الأساسية دون إجابات حاسمة: كيف يُحكم السودان؟ وما شكل الدولة التي نريدها؟ وما الأساس الذي يجمع السودانيين؟ وكيف تُدار الاختلافات والتنوعات السياسية والثقافية والاجتماعية داخل وطن واحد؟

لقد أثبتت التجربة أن إدارة الأزمة وحدها لا تكفي.

فإدارة الأزمة قد توقف القتال، أو تفتح باباً للتفاوض، أو تنتج اتفاقاً سياسياً مؤقتاً، لكنها لا تضمن بالضرورة معالجة الأسباب التي أدت إلى الأزمة. ولهذا سرعان ما تعود الخلافات في صورة جديدة، وتظهر صراعات أخرى حول السلطة والثروة والهوية والمركز والهامش، وتظل الدولة تدور في الحلقة نفسها.

من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها

المطلوب اليوم أن ننتقل من سؤال: كيف نوقف الأزمة؟ إلى سؤال أعمق: لماذا تتكرر الأزمة أصلاً؟

وأن ننتقل من البحث عن تسوية بين أطراف الصراع إلى البحث عن صيغة وطنية تنظم العلاقة بين جميع السودانيين.

وهنا تبرز أهمية العقد المجتمعي السوداني باعتباره مشروعاً وطنياً يتجاوز التسويات السياسية المؤقتة، إلى بناء توافق مجتمعي واسع حول المبادئ التي تقوم عليها الدولة.

فالعقد المجتمعي ليس اتفاقاً بين النخب السياسية وحدها، وليس وثيقة لتقاسم السلطة، وإنما هو تفاهم وطني واسع حول شكل الدولة، وحقوق المواطنين وواجباتهم، ومبادئ الحكم، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، وإدارة التنوع، وتداول السلطة، وحماية الحريات، وتحقيق العدالة والتنمية.

جذور المشكلة السياسية

إن الأزمة السودانية ليست وليدة لحظة واحدة، ولا يمكن اختزالها في طرف واحد أو حكومة واحدة أو جماعة واحدة.

هناك تراكم تاريخي طويل من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن ضعف المؤسسات، واختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وتسييس الهويات، وتداخل العسكري بالسياسي، والصراع حول الموارد، وغياب التوافق على قواعد مستقرة للحكم.

كما أن الاختلاف السياسي كثيراً ما تحول إلى صراع وجودي، فأصبح كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصماً يجب إقصاؤه، بدلاً من اعتباره شريكاً في الوطن.

ومن هنا فإن معالجة الجذور تتطلب تغييراً في طريقة التفكير نفسها.

نحتاج إلى الانتقال من منطق الغلبة والإقصاء إلى منطق المواطنة والشراكة.

ومن منطق من يحكم؟ إلى منطق كيف يُحكم السودان؟

ومن منطق اقتسام السلطة بين النخب إلى بناء دولة مؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب والقانون.

السودان وطن واحد وحقوق متساوية

إن السودان بتنوعه الكبير لا يمكن أن يستقر على أساس هيمنة مكون على بقية المكونات، ولا على أساس إقصاء فئة أو منطقة أو تيار.

السودان وطن واحد، وشعبه متعدد في ثقافاته ومناطقه ومكوناته، وهذه التعددية ينبغي أن تكون مصدر قوة لا سبباً للصراع.

ولهذا فإن العقد المجتمعي السوداني يقوم على قاعدة بسيطة وعميقة:

وطن واحد، وحقوق متساوية، وواجبات مشتركة.

فلا حزب فوق الوطن، ولا قبيلة فوق الدولة، ولا منطقة فوق أخرى، ولا أيديولوجيا تستحوذ على السودان، ولا قوة مسلحة يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن مؤسسات الدولة.

الدولة الحديثة هي الإطار الذي يحمي الجميع، والقانون هو المرجعية التي يخضع لها الجميع، والمواطنة هي الأساس الذي تتساوى فيه الحقوق والواجبات.

معالجة المشكلة تبدأ من بناء الدولة

إن إنهاء الحرب مهم، والوصول إلى السلام ضرورة، والحوار الوطني مطلوب، لكن كل ذلك ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع أكبر: بناء دولة السودان الحديثة.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق ينهي حرباً، وإنما يحتاج إلى نظام سياسي واجتماعي يجعل العودة إلى الحرب أقل احتمالاً، ويجعل الاختلاف السياسي وسيلة للتنافس السلمي لا سبباً للعنف.

وهذا يتطلب مؤسسات دولة قوية ومحايدة، وجيشاً وطنياً موحداً، وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون، وقضاءً مستقلاً، وحكماً رشيداً، ونظاماً سياسياً يسمح بالتداول السلمي للسلطة، وتنمية عادلة تصل إلى جميع أنحاء البلاد.

كما يتطلب معالجة قضايا الأقاليم والمناطق المتأثرة بالحروب معالجة وطنية عادلة، بعيداً عن تحويل معاناة المواطنين إلى أدوات للصراع السياسي.

الحوار ليس غاية في ذاته

ومن هنا تأتي أهمية الحوار السوداني الشامل.

لكن الحوار المطلوب ليس مجرد اجتماع للنخب أو تفاوض بين القوى السياسية، وإنما حوار سوداني واسع يشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم واتجاهاتهم ومناطقهم، بهدف الوصول إلى توافق حول مستقبل الدولة.

والغاية ليست أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر السودان.

فالسلام الحقيقي لا يقوم على تسوية مؤقتة بين المتصارعين فقط، وإنما على معالجة الأسباب التي جعلت الصراع ممكناً ومتكرراً.

العقد المجتمعي هو المسار الأوسع

إن مشروع العقد المجتمعي السوداني لا يقدم نفسه بديلاً عن الحوار أو التسويات السياسية، بل يرى أن هذه المسارات ينبغي أن تتكامل داخل رؤية وطنية أوسع.

فالتسوية قد تعالج أزمة، والحوار قد يفتح الطريق إلى التوافق، والدستور ينظم شكل الدولة، لكن العقد المجتمعي يمنح هذه الجهود أساساً مجتمعياً ووطنياً مشتركاً.

ولهذا فإن المطلوب هو بناء عقد مجتمعي سوداني يجيب بوضوح عن الأسئلة الكبرى:

ما الدولة التي نريدها؟

كيف يُحكم السودان؟

ما حقوق المواطن وما واجباته؟

كيف ندير التنوع؟

كيف نضمن التداول السلمي للسلطة؟

كيف نحمي الدولة من التفكك والاستقطاب؟

وكيف نجعل الاختلاف السياسي وسيلة لبناء الوطن لا وسيلة لهدمه؟

السودان أمام فرصة تاريخية

إن الحرب الحالية، رغم قسوتها وكلفتها، يجب ألا تكون مجرد نهاية لجولة جديدة من الصراع، بل فرصة لمراجعة التجربة السودانية كلها.

فإذا انتهت الحرب وعادت البلاد إلى القواعد نفسها التي أنتجت الأزمات السابقة، فإننا نكون قد أوقفنا الأزمة ولم نعالج جذورها.

أما إذا تحولت هذه اللحظة إلى بداية لتوافق وطني جديد، وإلى مشروع لبناء الدولة، وإلى عقد مجتمعي يضع المواطنة وسيادة القانون والوحدة الوطنية والعدالة في مقدمة المبادئ، فإن السودان يستطيع أن يفتح صفحة جديدة في تاريخه.

إن المطلوب ليس فقط أن نخرج من الحرب، وإنما أن نخرج أيضاً من منظومة التفكير التي أعادت إنتاج الأزمات.

ومن هنا فإن الانتقال الحقيقي الذي نحتاجه هو:

من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها،

ومن الإقصاء إلى المواطنة،

ومن الصراع على السلطة إلى بناء الدولة،

ومن التسويات المؤقتة إلى التوافق الوطني،

ومن تعدد مراكز القوة إلى دولة واحدة ومؤسسات وطنية،

ومن السودان الذي تتنازعه الأزمات إلى السودان الذي يجمع أبناءه عقدٌ مجتمعيٌ جديد.

فالسودان لا يحتاج إلى حل سياسي مؤقت فحسب، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لمستقبل يقوم على وطن واحد وحقوق متساوية.

وهذه هي الفكرة التي ينطلق منها مشروع العقد المجتمعي السوداني: أن يكون الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن ردود الأفعال إلى بناء المستقبل، ومن التنافس على السودان إلى العمل من أجل السودان.

وطن واحد، وحقوق متساوية، ومستقبل يجمعنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى