د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… صادر الثروة الحيوانية… واشتراطات السعودية

حملت الأنباء أن المملكة العربية السعودية أوقفت صادر اللحوم السودانية إلى حين استيفاء بعض الاشتراطات.
وقبل ذلك، كانت شحنات من الضأن الحي تعاد للأسباب نفسها.
وهنا يحق لنا أن نضع علامات استفهام كبيرة:
إلى متى تستمر هذه العشوائية؟ وإلى متى نتعامل مع ملف الصادر وكأنه شأن ثانوي، بينما الاقتصاد السوداني في أمسّ الحاجة إلى كل دولار يأتي من خارج البلاد؟
السوق السعودي ليس سوقاً طارئاً أو مجهولاً بالنسبة لنا. إنه سوق قريب، كبير، نشط، ومتعدد المواسم والفرص، والسعودية دولة تتعامل مع العالم كله، وتضع اشتراطاتها الصحية والفنية بوضوح، ولا يمكن أن تتوقع منها أن تخفّض معاييرها من أجل صادراتنا.
المشكلة إذن ليست في اشتراطات السعودية، وإنما في قدرتنا نحن على الالتزام بها.
فإذا كانت هذه الاشتراطات معروفة، فلماذا ننتظر حتى تتوقف الصادرات ثم نبدأ في التحرك لاستيفائها؟
وزير الثروة الحيوانية قال إن الوزارة تعمل الآن على استيفاء الاشتراطات، وهي خطوة مطلوبة بلا شك، لكن السؤال الأهم: لماذا الآن؟
نحن لا نتحدث عن سوق هامشي يمكن تعويضه بسهولة. نحن نتحدث عن سوق قريب من السودان جغرافياً، وتربطنا به علاقات تاريخية واقتصادية، ولدينا ميزة لا يملكها كثير من المنافسين.
فالرحلة البحرية من بورتسودان إلى جدة لا تستغرق زمناً طويلاً، وهذه ميزة مهمة في تجارة الحيوانات واللحوم، بما ينعكس على جودة المنتج وتكلفة النقل وسرعة الوصول.
والأهم من ذلك أننا نملك الثروة الحيوانية.
فلماذا لا نطمح إلى أن نكون المورد الأكثر حضوراً في السوق السعودي، ليس بالضان وحده، وإنما بكل أنواع الأنعام واللحوم التي يمكن أن تستوفي المواصفات والمعايير المطلوبة؟
السوق السعودي لا يحتاج إلى تمنياتنا، وإنما يحتاج إلى منتج مطابق للمواصفات، وإمداد منتظم، وإدارة محترفة للسوق.
ولو كنت مكان وزير الثروة الحيوانية، لأفردت للسوق السعودي فريق عمل متخصصاً، لا همّ له إلا هذا السوق: يتابع الاشتراطات، ويحل المشكلات، ويراقب المحاجر والمسالخ، ويتابع الشحنات منذ لحظة تجهيزها وحتى وصولها، ويبحث في الوقت نفسه عن فرص جديدة لزيادة الصادرات وتنويع المنتجات.
بل أذهب أبعد من ذلك: لماذا لا يكون لكل سوق استراتيجي في الخارج فريق تصدير متخصص، له أهداف سنوية واضحة ومؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس؟
نحن بحاجة إلى الانتقال من عقلية «نصدر عندما تتوفر الفرصة» إلى عقلية «نبني الأسواق ونحافظ عليها ونوسع حصتنا فيها».
السودان يحتاج إلى الصادر، ويحتاج إلى العملة الصعبة، ويحتاج إلى الأسواق، ويحتاج إلى أن يستعيد سمعته كمصدر موثوق للمنتجات الزراعية والحيوانية.
وكل شحنة تعاد، وكل سوق يتوقف، وكل اشتراط نعرفه مسبقاً ثم نفشل في الالتزام به، ليس مجرد خبر عابر؛ بل هو خسارة اقتصادية يتحملها المنتج والتاجر والدولة والاقتصاد السوداني كله
السعودية فتحت لنا باباً كبيراً، ولا ينبغي أن نكتفي بالوقوف أمامه.
المطلوب أن ندخل من الباب، ونبقى فيه، ونوسع حصتنا، ونفتح بعده أبواباً أخرى.
فالثروة الحيوانية ليست مجرد قطيع يرعى في المراعي، وإنما ثروة وطنية وسلعة تصديرية وسوق وفرص عمل وعملة صعبة.
فلنحسن إدارتها قبل أن يسألنا الآخرون: لماذا لا تستطيعون الالتزام بما نطلبه؟
ألا هل بلغت… اللهم فاشهد.



