د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… جبهة داخلية متماسكة وقوية… أولوية على الرضا الخارجي

أتابع، وغيري كثيرون، الحراك الذي تقوده أمريكا ومن معها في الشأن السوداني، ومحاولات معرفة حقيقة الموقف الأمريكي من الحكومة السودانية: هل تعترف بها؟ هل تتعامل معها كحكومة شرعية؟ أم أنها فقط تتعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه؟
لكن السؤال الأهم الذي يجب أن تطرحه الحكومة السودانية على نفسها هو:
هل نحن مشغولون أكثر مما ينبغي بما يريده الخارج، بينما الداخل يصرخ من المعاناة؟
الأوضاع العالمية اليوم شديدة التعقيد، والدول لا تتحرك بالعواطف ولا بالمجاملات، وإنما وفق مصالحها. لكل دولة حساباتها وشبكات مصالحها وخطوطها الحمراء، وقد تتفق هذه المصالح مع السودان في ملف وتختلف معه في عشرة ملفات أخرى.
وهذا أمر يجب أن نفهمه جيداً.
فلا أمريكا جمعية خيرية، ولا أوروبا، ولا أي دولة أخرى تتحرك من أجل عيون السودان.
كل دولة تبحث عن مصالحها، والسودان أيضاً يجب أن يبحث عن مصالحه، لا أن يعيش منتظراً شهادة حسن سلوك من الخارج.
ولهذا فإنني أرى أن الأولوية الآن يجب أن تكون واضحة:
قووا الجبهة الداخلية أولاً… ثم تحدثوا مع الخارج من موقع القوة.
الجبهة الداخلية لا تقوى بالخطب والبيانات، ولا بالشعارات، ولا بكثرة الحديث عن الوطنية.
الجبهة الداخلية تقوى عندما يشعر المواطن أن حكومته تعرف معاناته وتعمل بجد لتخفيفها.
انزلوا إلى الشارع.
اتركوا المكاتب المكيفة لبعض الوقت.
اسألوا المواطن عن سعر الدواء، وعن الخبز، وعن الوقود، وعن الكهرباء والمياه، وعن المواصلات، وعن صعوبة تحويل الأموال، وعن الغلاء الذي يأكل دخله يوماً بعد يوم.
لا يمكن أن تطلب من مواطن أنهكته المعيشة أن يحمل وحده عبء الحرب، ثم لا يرى أثراً لجهود الدولة في حياته اليومية.
الحكومة مطالبة اليوم بأكثر من إدارة الملفات السياسية والدبلوماسية.
هي مطالبة بأن تثبت للمواطن أن الدولة موجودة.
وأن تثبت له أن الانتصارات العسكرية التي يحققها الجيش ستتحول إلى أمن واستقرار وإنتاج وخدمات ومعيشة أفضل.
فالجيش يستطيع أن ينتصر في الميدان، لكن الحكومة مطالبة بأن تنتصر أيضاً في معركة الاقتصاد ومعركة الأسعار ومعركة الخدمات ومعركة الإنتاج.
وهنا تكمن المعادلة الحقيقية.
جيش قوي + حكومة تعمل + مواطن يشعر بالاهتمام = جبهة داخلية لا يمكن كسرها.
أما إذا ظل المواطن يعاني، والأسواق مضطربة، وسعر الصرف ينهار، والقرارات الاقتصادية تتغير بين الحظر والتراجع ثم التعديل والتراجع عن التعديل، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما تصبح الجبهة الداخلية نفسها مصدر القلق.
والأخطر من ذلك أن ننشغل بمحاولة إقناع الخارج بنا، بينما لم نبذل الجهد الكافي لإقناع المواطن السوداني بأن دولته تسير في الاتجاه الصحيح.
لا تجعلوا الاعتراف الخارجي بديلاً عن الرضا الداخلي.
فالخارج قد يعترف بك اليوم ويتخلى عنك غداً إذا تغيرت مصالحه.
أما الشعب، فإذا شعر أن الدولة تحميه وتحترم كرامته وتعمل من أجل مستقبله، فإنه يصبح الظهير الحقيقي للدولة في أصعب الظروف.
وهنا فقط تستطيع الحكومة أن تتعامل مع الخارج من موقع مختلف.
لا حكومة تنتظر الإشارة.
ولا دولة تبحث عن رضا الآخرين.
ولا مسؤول يظن أن مفتاح استقرار السودان موجود في العواصم الأجنبية.
مفتاح السودان موجود هنا… في الخرطوم، في الأسواق، في المصانع، في المزارع، في الشوارع، وفي ثقة المواطن بدولته.
لذلك، بدلاً من أن نستهلك طاقتنا كلها في سؤال: ماذا تريد أمريكا؟
فلنسأل أولاً:
ماذا يريد المواطن السوداني؟
ماذا يحتاج حتى يعيش بكرامة؟
ماذا يحتاج حتى يثق في حكومته؟
ماذا يحتاج حتى يشعر أن تضحياته لم تذهب سدى؟
إذا نجحت الحكومة في الإجابة عن هذه الأسئلة، فسوف تتغير معادلة التعامل مع الخارج تلقائياً.
فالدولة التي تملك شعباً متماسكاً، وجيشاً قوياً، واقتصاداً يتحرك، وإرادة سياسية واضحة، لا تحتاج إلى استجداء الاعتراف… بل تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم معها.
هذه هي المعركة الحقيقية الآن.
ابنوا الداخل أولاً… وسيحسب الخارج حسابكم.
والله المستعان.



