د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الطاقة الشمسية لكل المشاريع الزراعية المروية…متى نتحرر من قبضة الوقود والاستيراد؟

القرار الحاسم الذي اتخذه رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتوفير الطاقة الشمسية على نفقة الدولة لكل المشاريع الزراعية المروية، خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح، وجاءت في الوقت المناسب، ونأمل ألا تكون مجرد قرار عابر، بل بداية لثورة حقيقية في قطاع الطاقة والاقتصاد السوداني.
لقد ظلت الزراعة السودانية، رغم ما تمتلكه البلاد من أراضٍ شاسعة وشمس ساطعة وموارد مائية، أسيرة الوقود وتكاليف تشغيل الطلمبات، بينما تستنزف فاتورة استيراد المحروقات موارد الدولة الشحيحة، وترفع تكلفة الإنتاج، ثم يدفع المواطن الثمن في الأسواق من خلال الغلاء والتضخم وتراجع قدرته الشرائية.
وهنا يبرز السؤال: إلى متى نظل نستورد ما يمكننا الاستغناء عنه، وننفق العملات الصعبة على حلول تستهلك مواردنا بدلاً من أن تحررها؟
إن الطاقة الشمسية ليست ترفاً ولا خياراً مؤجلاً إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية، وإنما ضرورة وطنية تفرضها الأوضاع الراهنة. فالسودان الذي ينعم بساعات طويلة من سطوع الشمس لا يجوز أن يظل رهينة تقلبات أسواق الوقود وأزمات الاستيراد وشح النقد الأجنبي.
إن القرار الرئاسي يستحق الإشادة، لكن الإشادة وحدها لا تكفي. المطلوب خطة تنفيذ واضحة، وجداول زمنية معلنة، ومتابعة ميدانية تضمن وصول المعدات إلى المشاريع المستهدفة، وتشغيلها بكفاءة، وصيانتها بصورة مستدامة.
كما نريد أن نعرف: كم ستوفر الدولة من الوقود؟ وكم ستنخفض تكلفة إنتاج المحاصيل؟ وما حجم المساحات التي ستتمكن من التوسع في الزراعة بفضل هذا التحول؟ ومتى تظهر النتائج في أسعار الغذاء ومعيشة المواطنين؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها الحكومة، لأن نجاح القرارات الاقتصادية لا يُقاس بحسن إعلانها، وإنما بحجم أثرها في حياة الناس.
من الزراعة إلى المواصلات والصناعة
بعد هذه الخطوة، ننتظر قراراً آخر لا يقل أهمية: التحول التدريجي إلى السيارات الكهربائية في مؤسسات الدولة، بدءاً بالجهات التي تمتلك أساطيل كبيرة من المركبات.
فلماذا تستمر الدولة في استهلاك الوقود المستورد بمبالغ ضخمة، بينما يمكنها أن تبدأ بنفسها في تقليل هذا الاعتماد، وتوجيه ما توفره إلى الصحة والتعليم والدواء والإنتاج؟
ولماذا لا تتبنى الحكومة برنامجاً وطنياً لتعميم الطاقة الشمسية في المصانع ومحطات المياه والمرافق العامة، مع إعفاء معداتها ومدخلاتها من الجمارك والرسوم، حتى الرمزية منها، وتسهيل استيرادها، وتشجيع الاستثمار في تصنيعها محلياً؟
إن تخفيض تكلفة الطاقة يعني تخفيض تكلفة الإنتاج، وتحسين القدرة التنافسية للصناعة السودانية، وتوفير فرص العمل، وتقليل الضغط على العملة الوطنية.
الريف أيضاً يستحق ثورة الطاقة
أما المجتمعات الريفية، التي ظلت لسنوات طويلة خارج أولويات التنمية، فإنها تستحق نصيباً وافراً من هذه الثورة.
لدينا مخلفات زراعية وحيوانية يمكن تحويلها إلى غاز حيوي (البيوغاز) يستخدم في الطهي وإنتاج الطاقة، ويخفف الاعتماد على غاز الطهي المستورد، ويوفر للمواطنين بديلاً عملياً، خاصة في المناطق التي يصعب وصول الخدمات إليها.
فأين برامج البحث العلمي التطبيقي؟ وأين الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص والجهات الحكومية لتطوير هذه التقنيات ونشرها في القرى والفرقان؟
لا نريد دراسات تُحفظ في الأدراج، ولا مؤتمرات تنتهي بانتهاء جلساتها. نريد مشروعات تجريبية قابلة للتوسع، وتمويلاً واضحاً، وخطة تصل بالتكنولوجيا إلى المواطن حيث يعيش ويعمل وينتج.
الاستقلال الاقتصادي يبدأ من هنا
لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن الاعتماد المفرط على الخارج في توفير الوقود ومدخلات الإنتاج يجعل الاقتصاد السوداني مكشوفاً أمام كل أزمة، ويضع الدولة والمواطن تحت رحمة تقلبات لا يملكان السيطرة عليها.
ولذلك، فإن المطلوب ليس قرارات متفرقة، وإنما برنامج وطني للاستقلال في مجال الطاقة، تتكامل فيه الطاقة الشمسية والرياح والبيوغاز، وتُربط أهدافه بزيادة الإنتاج وخفض تكلفة المعيشة.
ونطالب بأن تتبنى الحكومة هذا البرنامج بأهداف محددة، وموازنات معلنة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وتقرير دوري يوضح ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر.
لقد آن الأوان أن ننتقل من إدارة الأزمات إلى منع تكرارها، ومن استيراد الحلول إلى إنتاجها، ومن استنزاف مواردنا في الوقود إلى استثمار شمس السودان في نهضته.
إن القرار الشجاع يستحق أن يتحول إلى سياسة دولة، لا أن يظل خبراً في وسائل الإعلام.
فالاستقلال الذي نريده ليس سياسياً وعسكرياً فحسب، بل استقلال في الغذاء والطاقة والدواء والإنتاج، حتى لا تظل لقمة عيش المواطن رهينة لما يأتي من وراء الحدود.
ومن سار على درب الاستقلال الاقتصادي… وصل.



