مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… عندما يُباع رغيف الخبز بدم الأرواح!!

ما نراه بأمهات أعيننا من زحام وإصطفاف في الأفران في مشهدٍ يتجاوز حدود الأزمات الاقتصادية التقليدية ليلامس حافة التخطّي الوجودي، يقف مجتمعنا بأسره أمام فاصل قاسي بين الحياة والعدم. وعندما يلامس سعر رغيف الخبز عتبة الـ ٥٠٠ جنيه،

فإننا لسنا أمام تضخم نقدي أو موجة غلاء طبيعية ، تُقاس بنسب مئوية جافة؛ إنما نحن أمام زلزال اجتماعي يعيد كتابة قواعد البقاء، ويضع المواطن وجهاً لوجه أمام خيارات صاغتها يد العجز والتجويع. إن هذا الرقم الفلكي للرغيفة الواحدة يحمل في طياته دلالة سيميائية مرعبة، إذ إنه ليس سعراً لسلعة، ولكنه تسعيرة جديدة للموت البطيء تتسرب إلى كل بيت وأسرة.

وحين يرتفع سعر الخبز إلى هذا الحد غير المسبوق في تأريخنا القديم والحديث ، تتداعى المنظومة الحياتية بأكملها وفق مسارات خفية وأبعاد عميقة تمس صميم الوجود الإنساني؛ فالرغيف هو خط الدفاع الأول عن السلم الأهلي، وحين يفقد المواطن

قدرته على توفير القوت اليومي لأطفاله، يسقط بالضرورة مفهوم الولاء للمؤسسات وتتحول الدولة في الوعي الجمعي من راعٍ مفترض إلى خصم وجودي.

هذا الجوع المطبق لا يأتي فرادى، بل يجر خلفه توقفاً تاماً لكل شرايين الحياة؛ فالدواء بات يُشترى بأسعار موازية تصطدم بمعدة خاوية لا تحتمل جرعة، والتعليم تحول إلى ترفٍ لا أمل فيه بعد أن تُسحب الأيدي الصغيرة من المدارس لتُلقى في أتون البحث عن لقمة العسس. ومن هنا يبرز السؤال المشروع والموجع في آنٍ واحد: هل هذه الموجة واقع حتمي أم أنها أزمة مفتعلة ومصنوعة بأيدي شبكات طفيلية تجد في أوجاع الناس مادة خصبة للمكاسب الفاحشة؟

إن غياب إجابات واضحة يترك الأسواق نهباً للتقلبات العشوائية، لتتجه الأبصار بيأس نحو مستودعات الدولة وخزائنها باحثةً عن المخزون الاستراتيجي الضائع، حيث تتناقض أبسط قواعد السيادة مع غياب الأمن الغذائي الذي يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

إذن، ماذا صانعة “حكومة الألم” في خضم هذه النازلة؟ هل اكتفت بلعب دور المتفرج البارد في مدرجات المتفرجين، تاركةً مواطنها الأعزل في وجه مدفع الأزمات المتطاير؟

إن الصمت الحكومي المعيب أمام لقمة عيش المواطن لا يُقرأ إلا كعجز هيكلي أو انفصال تام عن نبض الشارع، وإن رمي المواطن في وجه المدفع دون مظلات حماية أو شبكات أمان اجتماعي حقيقية هو مقامرة غير محسوبة العواقب. إن التاريخ الإنساني لا يرحم الحكومات التي تدير ظهورها لأنين جياعها،

فالتجويع الممنهج لا يُبقي ولا يذر ويهدم الأخضر واليابس. ومن هنا يأتي التنبيه الأخير والعاجل بضرورة التدخل الفوري لكبح جماح هذه الأزمة الهوجاء وإعادة تسعير الرغيف بما يتناسب مع الحد الأدنى لكرامة الإنسان، طوقاً للنجاة قبل أن ينفد الوقت وقبل أن يتلو الجوع الطوفان البشري الجارف الذي لا يبقي ولا يذر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى