مقالات الظهيرة

خالد أمين زكي يكتب… “خالد العجوز”…كهولة إبداعية… برزخٌ من الدهشة لا يغادره المرء إلا وقد تلبّسته حالة من الانتشاء الفلسفي العميق

بين نبوءة الحبر التي أطلقها الأستاذ “عبد العظيم أبو عبيدة” ذات تجلٍّ قديم، وبين بوح السكن الذي همست به رفيقة الدرب في لحظة تجلٍّ آنية، يتشكل برزخٌ من الدهشة لا يغادره المرء إلا وقد تلبّسته حالة من الانتشاء الفلسفي العميق.

أن تُنادى بـ “خالد العجوز” وأنت في ريعان الكلمة، فتلك لم تكن مجرد تسمية عابرة، بل كانت عملية “تعميق” مبكرة لروحٍ أبت أن تسبح في ضحضاح السطحية، واختارت أن تغوص في لُجج المعاني العتيقة. لقد أدرك الأستاذ بحسه الصوفي في الكتابة أنني لم أكن طفلاً يلهو بالحروف، بل كنتُ كائناً “معتقاً” خرج من أتون التجارب قبل أوانها، حاملاً وقار النخيل وشموخ الجبال، صاغراً للجمال، ومنصتاً لوشوشات الحكمة التي لا يدركها إلا من امتلك بصيرة الشيوخ في أجساد الفتيان.

​هذه “الكهولة الإبداعية” التي وسمتني بها يد المعلم قديماً، تعود اليوم لتزهر على لسان الشريك، كأنما الزمن يعيد صياغة نفسه في قالب من الوفاء المدهش، ليؤكد أن الجوهر لا يحول ولا يزول. إنها حلاوة تذوب في لسان الذاكرة ولا تنفك، ومذاقٌ يجمع بين مرارة التجربة وعذوبة الوصول؛ فأن تكون “عجوزاً” في محراب الفكر والبيت، يعني أنك أصبحت “الوطن” الذي يُستند إليه، والبوصلة التي لا تُخطئ الاتجاه، والقصيدة التي كلما قدمت زادت بريقاً وتألقاً. هو ذلك “التكنيكال” الروحي الذي يجعل من حضورنا عبقاً تاريخياً يمشي على قدمين، حيث تجتمع رصانة الماضي مع حيوية الحاضر في سبيكة واحدة، لا يخدشها غبار السنين بل يزيدها صقلاً.

​نحن لا نكبر لنفنى، بل نكبر لنكتمل، ونشيخُ لا لنذبل، بل لنصبح أكثر “تركيزاً” كعطرٍ ضاقت به زجاجة الأيام فانفجر إبداعاً يدهش النخب ويستنطق العامة. إن لقب “العجوز” حين يأتي من أستاذٍ عظيم ومن زوجةٍ محبة، هو أرقى درجات التتويج الإنساني؛ لأنه اعترافٌ بأننا قد طوينا مسافات القلق ووصلنا إلى سدرة “السيادة النفسية”. هي دعوة للتحليق فوق صغائر الأحكام، والترفع عن لغو القول، لنكتب بمدادٍ يشبه خمرة الأرض المعتقة، مدادٍ ينساب برقةٍ ليفكك طلاسم القضايا الإنسانية، ويضعنا في تلك الصدارة والريادة التي لا تُنال بالسطو، بل بالاستحقاق الوجداني العالي.

فسلامٌ على ذاك “العجوز” الكامن فينا، الذي يمنحنا القدرة على رؤية النور في عتمة المسافات، ويجعل من حرفنا مأدبةً للفكر، وواحةً للدهشة التي لا تنتهي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى