مقالات الظهيرة

حسن الدنقلاوي يكتب…. انفجار الشائعة.. ومطافئ التصدي لها!!

​مع غياب شمس الجمعة ودوي ذلك الانفجار الذي هز هدوء الخرطوم، لم تنطلق فقط الشظايا المادية في الهواء، بل انطلقت معها شظايا الروايات المتضاربة التي ملأت سماء الوسائط الرقمية. فبين حديث عن مسيرة انتحارية، وأخبار عن استهداف منصات وقود، وصولاً إلى تحليلات تتحدث عن اشتباكات جوية؛ وقف المواطن الصامد حائراً وسط غابة من التعاليق المجهولة.

​إن مدرسة “هندسة الوعي” تطل اليوم لتشرح خللاً بنيوياً في إدارة الأزمة إعلامياً؛ فالفراغ الذي يتركه صمت الجهات الرسمية لا يملؤه إلا تجار الشائعات، والبيان المتأخر هو بيان فاقد لنصف قيمته في طمأنة النفوس. إن التساؤل الذكي الذي نطرحه أمام ولاة الأمر هو: لماذا نترك المواطن فريسة للقلق والتحليلات الفطيرة لساعات طوال دون توضيح مقتضب يقطع دابر الفتنة؟ إن هيبة الدولة تبدأ من هيبة معلومتها الصادقة والآنية، فالصمت في وقت الدوي هو بيئة خصبة لصناعة الرعب النفسي وتفتيت الجبهة الداخلية.

​ومن جانب آخر، تبرز القضية الأخطر التي كشفت عنها التحريات الأولية؛ وهي احتمالية انفجار مخلفات حرب أو لغم أرضي نتيجة حرق النفايات في ميادين لم تُفحص بعد. وهنا نوجه نداءً حازماً لكل مواطن صامد: إن النظافة وإعمار الأرض لا يبدآن بإشعال النيران في مناطق مجهولة التاريخ الهندسي. إن التعامل مع النفايات في الميادين المفتوحة دون فحص خبراء المتفجرات هو مقامرة بالحياة، فحرق الأوساخ قد يوقظ وحشاً مدفوناً تحت الأرض لا يفرق بين عابر سبيل أو ساعٍ لرزق.

​إن إدارة الأزمات في العواصم التي تعود للحياة تتطلب يداً تبني بالخرسانة وأخرى تبني بالمعلومة. إننا ننتظر من الأجهزة المختصة تكثيف حملات التوعية بمخاطر الأجسام الغريبة، وسرعة في الاستجابة الإعلامية تليق بصمود أهل الخرطوم.

​خاتمة: ميثاق الوعي وحرمة الأرض

​وفي الختام، إن معركة “إعادة البناء” التي نخوضها اليوم لا تقتصر على ترميم الجدران، بل تمتد لتطهير الأرض من سمومها المدفونة، وتطهير الفضاء الرقمي من سمومه المنقولة. إننا أمام أمانتين: أمانة النفس التي تقتضي أقصى درجات الحذر والتروي؛ فكل كومة نفايات قد تواري موتاً مؤجلاً، وكل جسم غريب هو مشروع فاجعة ما لم يقل خبير المتفجرات كلمته. إن العبث بمخلفات الحرب ليس شجاعة، بل هو استهتار يغتال جهود الاستقرار.

​أما أمانة الكلمة، فهي خط الدفاع الأول؛ فلا تكن منصة إطلاق لشائعة ولدت في غرف التضليل، ولا تمنح التخمينات صك الحقيقة قبل أن يختمها بيان السلطات المختصة.

إن لجام الفوضى يبدأ من إصبعك حين يتردد في الضغط على زر المشاركة. فلنجعل من وعينا مطفأة تخمد نيران الفتنة، ومن حذرنا درعاً يحمي الأجساد من غدر الألغام. إن السودان الذي نحلم به يبدأ من مواطن يقرأ بعقله قبل عينه، ويتحرك بمسؤوليته قبل عاطفته.

​طاب صباحكم وطابت الخرطوم وكل بقاع السودان في أمان، محروسة بوعي بنيها ونزاهة حراسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى