تنمية الريف… بين مِقصلة البيروقراطية وحتمية الإصلاح الهيكلي!!

الظهيرة – حسن الدنقلاوي:
إلى السادة صُنّاع القرار، وحماة النهضة الوطنية..
إنَّ الحديث عن تنمية الريف ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً يُرفع في المحافل، بل هو معركة وجود كرامة تهدف إلى ردم الهوة السحيقة بين الحواضر والأرياف.
ولكن، وبكل صراحة تقتضيها الأمانة الوطنية، نجد أن هذا الطموح يصطدم بصخرة صماء من الترهل الإداري والعوائق البيروقراطية التي استوطنت جسد الخدمة المدنية، حتى غدت عائقاً أمام التطور بدلاً من أن تكون محركاً له.
تشخيص الداء: حين تصبح الوظيفة إقطاعية
إنَّ أخطر ما يواجه المؤسسات الخدمية في المناطق الريفية والبعيدة هو تحول الوظيفة العامة إلى إرث أو مركز نفوذ اجتماعي. إنَّ بقاء الموظف في موقعه لسنوات تطاولت، أو حصر الوظائف الحساسة في أبناء المنطقة تحت دواعي القرب المكاني، قد أفرز واقعاً مريراً تمثل في:
فيروس المحسوبية: الذي نخر عظام العدالة والمساواة، وجعل تقديم الخدمة ميزةً تُمنح للمقربين لا حقاً يُؤدى للمواطنين.
استنزاف الموارد: حيث تحولت ميزانيات التنمية إلى مسؤل لا ينتج، وتقاعسٍ يتستر خلف غياب الرقابة المركزية.
تضارب المصالح: إذ انصرف منسوبو الخدمة المدنية إلى أعمالهم الخاصة، مستغلين نفوذهم الوظيفي، مما أدى إلى شلل تام في المرافق الحيوية.
تدوير الكفاءات: رصاصة الرحمة على الركود
إنَّ حصر الموظف في بيئته الضيقة لفترات زمنية مفتوحة هو بمثابة رصاصة الرحمة التي تُطلق على جسد الإبداع والتطور. فالاستمرارية في ذات الموقع تُولد الرتابة، وتُغذي مراكز القوى المحلية، وتقتل روح التنافس الشريف.
لذا، فإننا نناشدكم بتبني استراتيجية الإحلال والمداورة؛ فالتنقلات الواسعة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ضرورة حيوية
لضخ دماء جديدة في عروق المؤسسات الريفية.
كسر حلقات المحسوبية والولاءات الضيقة.
نقل الخبرات وتعميم النماذج الناجحة بين مختلف الولايات والمناطق.
الرسالة العاجلة: استدراك قبل الفوات
إنَّ فشل الخدمة المدنية هو، بالضرورة، فشلٌ للحكومة في أسمى مهامها. إنَّ تسنيد المرافق الحساسة لمن يفتقرون للرؤية، أو لمن استهلكهم البقاء في المنصب حتى تبلدت طموحاتهم، هو مقامرة بمستقبل الوطن.
وعليه، فإن المرحلة تقتضي اتخاذ قرارات شجاعة تشمل:
أولاً: إجراء حصر شامل ودقيق للموظفين (خاصة القياديين) الذين تجاوزوا الآجال المنطقية في مناطقهم الأصلية أو في ذات المواقع.
ثانياً: تفعيل نظام تقييم أداء صارم يربط البقاء في المنصب بالنتائج الملموسة على الأرض، لا بالأقدمية أو الولاء.
ثالثاً: الاستعانة بالتكنوقراط وأصحاب الخطط الاستراتيجية لقيادة المرافق الخدمية، بعيداً عن ضغوط التوازنات الاجتماعية.
وقف كل مشاريع التنمية في المناطق البعيدة حتي تضع الحلول الناجع.
ختاماً..
إنَّ الريف ينتظر فجر التنمية، وهذا الفجر لن يبزغ إلا إذا تحررت الخدمة المدنية من أغلال الترهل وغول الفشل. إنَّ التغيير يبدأ بقرار، والإصلاح يكتمل بالمتابعة. فكونوا أنتم القوة التي تعيد للمؤسسة هيبتها وللمواطن كرامته.



