إدارة الأصول بمالية الجزيرة: عقل الدولة الذي يُعيد ترتيب القوة الاقتصادية

الظهيرة – تاج السر ود الخير:
في قلب التحولات التي تشهدها ولاية الجزيرة، تبرز الإدارة العامة للشراء والتعاقد والأصول والتخلص من الفائض كواحدة من أهم أدوات إعادة بناء الدولة من الداخل. فبعيداً عن الصورة التقليدية للإدارات المالية، تتقدم هذه الإدارة اليوم بوصفها “العقل المنظم” الذي يعيد تعريف كيفية إدارة المال العام، وضبط الأصول، وتوجيه الإنفاق نحو أولويات التنمية.
هذا التحول لا يأتي في فراغ، بل يستند إلى رؤية متماسكة يقودها د. الصادق عبد القادر، الذي يضع ملف الأصول في صدارة الإصلاح المالي، باعتباره المدخل الحقيقي لأي نهضة اقتصادية قائمة على بيانات دقيقة وقرارات مدروسة.
د. الصادق: الأصول ليست سجلاً… بل قوة اقتصادية كامنة
ينطلق د. الصادق عبد القادر من فهم عميق لطبيعة الأصول الحكومية، حيث لا يراها مجرد ممتلكات ثابتة أو متحركة، بل يعتبرها مؤشراً مباشراً لقوة الدولة وقدرتها على التخطيط والتمويل. ويؤكد أن أي خلل في حصر هذه الأصول أو تقييمها ينعكس فوراً على كفاءة الإنفاق، ودقة الموازنة، بل وعلى فرص الولاية في الحصول على التمويل.
في هذا السياق، يضع د. الصادق معايير صارمة لعملية الحصر، تقوم على الشمول والدقة والتدرج، بدءاً من الأصول الأكثر تأثيراً مثل المباني الحكومية، والأراضي، والآليات الثقيلة، وصولاً إلى الأصول المتداولة من أجهزة ومعدات. هذه المنهجية لا تهدف فقط إلى معرفة “ما تملك الدولة”، بل إلى تحديد “كيف تُدير ما تملك”.
انطلاق فعلي لعملية الحصر: عمل مؤسسي يتطلب تكامل الدولة
تشير المعطيات إلى أن الإدارة بدأت بالفعل خطوات عملية في حصر الأصول، انطلاقاً من وزارة المالية وعدد من الوزارات الحيوية، في مقدمتها الرعاية الاجتماعية ووزارة الإنتاج والموارد الطبيعية، ضمن رؤية مرحلية تقوم على التوسع التدريجي حتى تشمل كافة مؤسسات الولاية.
ويؤكد د. الصادق أن هذه العملية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن تكامل الجهود الرسمية، مشدداً على ضرورة التنسيق المحكم بين أمانة الحكومة، والوزارات، والوحدات الإدارية، والمحليات، باعتبار أن الأصول موزعة بطبيعتها عبر هذه المستويات المختلفة. فنجاح الحصر لا يعتمد فقط على وجود نظام تقني، بل على التزام مؤسسي شامل بإدخال البيانات وتحديثها وتوحيد معاييرها.
وفي هذا الإطار، يجري العمل على تكوين لجنة عليا لحصر الأصول، تضمن استمرارية المشروع، وتوحيد المرجعيات، ومتابعة التنفيذ، بما يحول عملية الحصر من نشاط مرحلي إلى عمل مؤسسي دائم، يُدار وفق سياسات واضحة وإجراءات موحدة على مستوى الولاية.
إدارة الأصول كضامن للمال العام وأداة لاتخاذ القرار
يُشدد د. الصادق على أن حصر الأصول يمثل خط الدفاع الأول لحماية المال العام من التسرب أو سوء الاستخدام. فالإدارة، من خلال قاعدة بيانات دقيقة، تستطيع أن تحدد متى يتم الشراء، ومتى يكون التخلص من الأصول هو الخيار الأمثل، وفق معايير فنية ومالية واضحة.
كما يربط بشكل مباشر بين كفاءة إدارة الأصول وجودة الموازنة العامة، حيث أن إدخال الأصول ضمن الحسابات المالية للدولة يُعد متطلباً أساسياً وفق معايير الإحصاء المالي الحكومي. وهذا الربط يعزز من قدرة وزارة المالية على إعداد موازنات أكثر واقعية، قائمة على أصول حقيقية يمكن قياسها وتقييمها.
الأصول كرافعة تمويل: رؤية تتجاوز الإطار التقليدي
من أبرز ما يطرحه د. الصادق هو توظيف الأصول كأداة للحصول على التمويل، عبر استخدامها كضمانات لدى المؤسسات المالية. هذا التوجه يعكس نقلة نوعية في التفكير المالي، حيث تتحول الأصول من عبء إداري إلى رصيد استثماري يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للتمويل التنموي.
ويؤكد أن هذا المسار يتطلب دقة عالية في التقييم، وتوثيقاً كاملاً للمستندات، وهو ما تعمل عليه الإدارة من خلال بناء نظام متكامل يربط بين الحصر والتقييم والتوثيق الإلكتروني.
التحول الرقمي: بنية تحتية للقرار قبل أن يكون مجرد نظام تقني
يمثل التحول الرقمي في إدارة الأصول أحد أعمدة المشروع الإصلاحي الذي يقوده د. الصادق عبد القادر، حيث لم يُنظر إلى البرنامج الإلكتروني كأداة أرشفة فقط، بل كمنظومة متكاملة لإدارة دورة حياة الأصل منذ لحظة تسجيله وحتى التخلص منه.
البرنامج الذي تم تدشينه صُمم ليعمل كمستودع مركزي للبيانات، يضم كافة تفاصيل الأصول: من شهادات الوارد، والمستندات القانونية، والصور التوثيقية، إلى بيانات الحالة الفنية، وتاريخ الصيانة، والقيمة التقديرية. هذا التكامل في البيانات يتيح تكوين “ملف رقمي كامل” لكل أصل، يمكن الرجوع إليه في أي وقت، بما يعزز الشفافية ويقلل من الاعتماد على الاجتهادات الفردية.
كما يتضمن النظام آليات متقدمة للأرشفة الإلكترونية، تضمن حفظ المستندات بصورة منظمة ومحمية، إلى جانب نظم النسخ الاحتياطي التي تؤمن البيانات من الفقد أو التلف، وهو عنصر بالغ الأهمية في بيئة شهدت فقداناً واسعاً للأصول والمعلومات خلال فترة الحرب.
ومن الناحية التشغيلية، يوفر البرنامج أدوات تحليلية لإصدار تقارير دورية دقيقة حول حجم الأصول، توزيعها، حالتها، وقيمتها، ما يدعم متخذي القرار بمعلومات آنية تساعد في التخطيط، وتحديد أولويات الصيانة أو الإحلال، وترشيد الإنفاق.
ولا يقف المشروع عند حدود الإدارة المركزية، بل يمتد وفق رؤية مرحلية لتعميمه على كافة الوزارات والمحليات، عبر ربط شبكي متكامل يعتمد على بنية اتصالات حديثة، مع توفير الأجهزة والتدريب اللازمين للكوادر، بما يضمن توحيد المعايير وخلق قاعدة بيانات ولائية شاملة.
ويُدرك د. الصادق أن نجاح هذا التحول لا يرتبط بالتقنية فقط، بل ببناء ثقافة مؤسسية جديدة تؤمن بأهمية البيانات، وتلتزم بإدخالها وتحديثها بصورة مستمرة، وهو ما تعمل عليه الإدارة عبر برامج تدريب وتأهيل تستهدف رفع كفاءة العاملين وضمان الاستخدام الأمثل للنظام.
بهذا المعنى، يصبح التحول الرقمي ليس مجرد تحديث إداري، بل إعادة تأسيس شاملة لطريقة إدارة الأصول، قائمة على المعرفة والدقة والاستباق.
الصيانة والتأهيل ضمن منظومة الأصول
في هذا الإطار، تأتي عمليات صيانة وإعادة تأهيل الآليات الثقيلة التي تمت مؤخراً كجزء من عمل الإدارة في إدارة الأصول، وليس كحدث منفصل. فهذه الآليات تُعد ضمن الأصول الاستراتيجية للولاية، وإعادة تأهيلها يدخل مباشرة في صميم اختصاصات الإدارة من حيث التقييم، واتخاذ قرار الصيانة، وتوجيه التمويل.
كما يعكس التنسيق مع الجهات التنفيذية الأخرى، مثل وزارة التخطيط العمراني والورش الحكومية، الدور المحوري للإدارة في ربط الجوانب المالية بالتنفيذية، بما يضمن تحقيق أعلى كفاءة ممكنة في استخدام الموارد.
نحو نموذج مؤسسي متكامل
ما تقوده إدارة الأصول بوزارة مالية ولاية الجزيرة، بقيادة د. الصادق عبد القادر، يتجاوز حدود العمل الإداري إلى بناء نموذج مؤسسي متكامل يقوم على البيانات، والحوكمة، والتخطيط الاستراتيجي. هذا النموذج يعيد الاعتبار لدور الإدارة المالية كقائد حقيقي للعمل التنموي، لا مجرد جهة تمويل.
أخيراً: حين تُدار الأصول بعقل الدولة… تُبنى التنمية على أسس صلبة
في ظل التحديات التي فرضتها مرحلة ما بعد الحرب، تثبت إدارة الأصول بوزارة المالية ولاية الجزيرة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من ضبط الموارد، وفهم قيمتها، وإدارتها بكفاءة. ومع رؤية واضحة يقودها د. الصادق عبد القادر، تتحول الأصول من ملفات جامدة إلى أدوات حية لصناعة القرار وتمويل المستقبل.
إنها تجربة تُؤسس لمرحلة جديدة عنوانها التكامل المؤسسي، حيث تتوحد الجهود بين أمانة الحكومة، والوزارات، والوحدات الإدارية، والمحليات، في مشروع واحد يعيد للولاية توازنها الاقتصادي… ويضعها على طريق تنمية مستدامة قائمة على العلم والإدارة الرشيدة.



