أزمة البترول في السودان… أزمة إدارة من وزارة الطاقة أم أزمة أخلاق في قطاع البترول؟!!

بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي*
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
*أكتوبر 2026م*
ليست أزمة بترول بالمفهوم الفني، بل هي أزمة إدارة بامتياز وأزمة أخلاق بلا مواربة، فما يحدث في الخرطوم وأم درمان وبحري ونهر النيل ومدنى وبورتسودان وكسلا هذه الأيام يكذب كل بيانات الطمأنة الرسمية، فالواقع الماثل أمام المواطن هو صفوف تمتد لأكثر من ثلاثة وأربعة كيلومترات، وطرقات خلت من السيارات، وسوق سوداء يباع فيها جالون البنزين بسبعين ألف جنيه ويذيد بينما سعره الرسمي خمسة وخمسون ألفا، وقد كان قبل عام واحد فقط عشرين ألفا. جولة رئيس الوزراء برفقة وزير الطاقة ووالي الخرطوم على محطة خدمة واحدة تعمل بينما كل محطات الشركات الأخرى مغلقة حولها، كشفت الحقيقة بدلاََ من أن تخفيها، فإذا كانت كل المحطات تعمل فلن تجد صفاََ به ثلاث سيارات، هذه أبجدية إدارة قطاع البترول، فما بالك حين يعمل صمام واحد ويغلق الباقي عمدا انتظارا للتسعيرة الجديدة.
الأرقام الرسمية المحدثة تضعنا أمام حقيقة صادمة لا يمكن إنكارها، فالسودان يستورد اليوم قرابة مائة ألف طن من الوقود شهرياََ بقيمة أربعين مليون دولار، لتصل الفاتورة في الربع الأول من 2026م وحده إلى 501.25 مليون دولار بزيادة 44.7% عن نفس الفترة من العام الماضي، وأصبح الوقود يمثل 25.9% من إجمالي واردات السودان البالغة 1.94 مليار دولار، أي أنه البند الأول الضاغط على النقد الأجنبي وليس مجرد سلعة استهلاكية. في الوقت ذاته قفز الدولار في السوق الموازي من أربعة آلاف جنيه في 2025م إلى ما بين 4700 و8200 جنيه اليوم بزيادة 19.4% في أقل من أسبوعين وفق رصد البنك المركزي والأسواق، وهذا يعني أن فاتورة الاستيراد تضاعفت تلقائياََ دون أن تملك الدولة آلية لتثبيت السعر أو توفير الدولار. المفارقة أن البحر مليء بالبواخر، فالوزارة تعلن عن عشر بواخر تفرغ في بورتسودان وأربع بواخر أخرى بحمولة 155 ألف طن ترسو في المياه الإقليمية، وتقول إن مخزونها يبلغ 1.36 مليون برميل بنزين يكفي 88 يوما و1.24 مليون برميل جازولين يكفي 54 يوما، لكن هذا المخزون ورقي، فالمستودعات في الخرطوم فارغة لأن البنك المركزي لا يدفع قيمة الشحنة كاملة دفعة واحدة، فتفرغ الناقلة بالتقسيط، تفرغ جزءا وتخرج تنتظر باقي المبلغ ثم تعود، وهكذا تدور الدائرة بين وزارة المالية والبنك المركزي والمستورد.
جوهر أزمة الإدارة أن السودان فقد مقوماته التكريرية والسيادية دفعة واحدة، فمصفاة الجيلي التي كانت تنتج 100 ألف برميل يوميا وتغطي 70% من حاجة البلاد متوقفة تماماََ ومدمرة بفعل الحرب، وقدرت وزارة الطاقة أن 65% من قطاعي النفط والكهرباء تضررا، وأن 14 ألف محول في الخرطوم وحدها دمرت، وأن كل حقول النفط تقريباََ في المجلد وهجليج لا تعمل لدواع أمنية، وحين تنهار المصفاة المحلية تصبح البلاد 100% رهينة الإستيراد، والاستيراد رهين الدولار، والدولار رهين الذهب، والذهب رهين شرط تعجيزي جديد فرضه البنك المركزي بإيداع 200 كيلو ذهب كاملة لدخول سوق إستيراد الوقود، فخرجت 32 شركة من أصل 36 شركة كانت تعمل، وبقيت 4 شركات فقط إحتكرت الملف بقدرة قادر، تملك اليوم زمام الصمام، فإذا توقعت زيادة في الدولار الجمركي من 5000 إلى 6000 جنيه للجالون كما يشاع، أغلقت محطاتها وأبقت الوقود في خزاناتها لتبيعه بالسعر الجديد، وهذا ما رصده مواطنون نصاََ، الوقود داخل المحطة لكن المحطة مغلقة حتى تعلن التسعيرة الجديدة، وهذه ليست تجارة بل إحتكار مكشوف.
أما أزمة الأخلاق فهي الأخطر لأنها تضرب عدالة التوزيع، فالتقديرات الميدانية تشير إلى أن 31% من سعر لتر الوقود هي رسوم وضرائب حكومية بخلاف رسوم الولايات، وأن بعض المحطات في نهر النيل والدامر وعطبرة وبربر تفرض 500 ألف جنيه إضافية على البرميل الواحد كرشوة قبل التعبئة وتطلب تصديقاََ مسبقا من الأجهزة المرابطة، وأن سعر برميل الجازولين قفز إلى 1700 جنيه للبرميل في بعض المحطات، وأن المواطن يقف 12 ساعة في الصف أو يشتري من السوق السوداء بضعف السعر، وأن أقل أزمة حتى تحل تحتاج تسعة أيام والمواطن يقضي نصف الشهر باحثاََ عن الوقود متنقلاَََ بين المحطات. هذه الأرقام ليست إقتصاداََ، هذه أخلاق مهنية منهارة، حيث تخلت الدولة عن نظام العطاءات الرصين الذي كان يوفر الوقود بأسعار ثابتة في كل محطات البلاد وإستبدلته بشبكة مصالح ضيقة تلتقي أهدافها عند محطة نهب مقدرات العباد وإستغلال حاجة الدولة الملحة للعملة الصعبة لفرض شروطها.
المعالجة لا تكون بجولة على طلمبة تعمل ولا بإصلاح تطبيق بنكي، فما نراه اليوم مسكن سريع، الحل يبدأ بإعادة الدولة كتاجر أول لا كمتفرج، بإلغاء شرط الذهب التعجيزي وإعادة 42 شركة تفاوض الوزارة اليوم إلى المنافسة عبر عطاءات شفافة يعلن فيها السعر والتكلفة والنقل والتأمين، وبتسعير يومي معلن يمنع التخزين الإحتكاري، وبفتح التوزيع لكل الشركات لا لشركة واحدة، وبناء إحتياطي إستراتيجي حقيقي في بورتسودان يكفي 90 يوما مع تدخل الدولة المباشر في الإستيراد لتخفيض السعر 25% كما يقترح خبراء الإقتصاد، ثم بإعادة تأهيل وحدة واحدة من مصفاة الجيلي بتكلفة مليار دولار وفق تقدير الوزارة لتعيد 35% من الاستهلاك المحلي، وبالتوسع في الربط الكهربائي مع مصر وتوليد الكهرباء من المياه لتخفيض إستهلاك الديزل الذي يلتهم الزراعة ويهدد الأمن الغذائي بعد تحذير برنامج الغذاء العالمي من إرتفاع أسعار الديزل وتأثيره على الموسم الزراعي.
إن إستمرار الوضع الحالي يعني أن كل زيادة خمسة آلاف جنيه في الجالون ترفع تكلفة نقل الخضار 18% وتدفع التضخم إلى أكثر من 300%، وأن رسالة الثقة التي يبحث عنها المواطن حين يرى المسؤول في الميدان ستتحول إلى سخط إذا لم تختف الطوابير غدا، فالناس لا تريد أن ترى المسؤول في الطلمبة بل تريد أن ترى الوقود في الطلمبة، وقد كان السودان ينتج 500 ألف برميل يوميا في عهد كان الوزير فيه يدير الأزمة من مكتبه لا من محطة وقود، فالإدارة علم وأخلاق قبل أن تكون جولة وتصريح.



