مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… قرارات الربيت… عندما تذبح المالية فرحة العيد!!

*للعامية السودانية مخزون ضخم من الأمثال والمصطلحات التي تختزل الواقع المعقد في كلمات بسيطة لكنها حادة كالمشرط ومن بين هذه المفردات الغنية تقفز إلى الأذهان مفردة (الرَّبِيت) وهي ذلك الشحم القليل المتبقي في خروف الضحية وآخر ما يؤكل منه جرت العادة في البيوت السودانية أن يُترك الربيت للأطفال وصغار السن كنوع من التطييب والمؤانسة.

فالكل يعلم أنه مجرد قشور لا تسمن ولا تغني من جوع ولا يقيم صلب جائع إن ثقافة المطبخ السوداني لم تترك الربيت يمر عابراً بل حولته الذاكرة الشعبية إلى رمزية ومثل يُضرب لكل ما هو شحيح وعديم الفائدة فيقول أهلنا في الأمثال: (الرَّبِيت ما بَعَشِّي ضِيف) ويقولون أيضاً (عَشَم الرَّبِيتْ.. لا شَبَعْ ولا مَاتْ) في إشارة إلى تلك الوعود الجوفاء التي تُبقي الإنسان معلقاً بين حبال الأمل والعدم هذه الأمثال تعكس عمق الفهم الشعبي للأشياء التي تأتي متأخرة جداً، وبكميات لا تكفي لسد رمق أو تحقيق غاية*.

 

*اليوم يبدو أن عدوى الربيت قد انتقلت من مطابخ العيد إلى دهاليز السياسة وإدارة الدولة حيث باتت بعض القرارات الحكومية تُطبخ بذات العقلية الشحيحة ولعل أقرب مثال على ذلك هو قرار والي الولاية بمنح العاملين والموظفين منحة الشهرين بمناسبة العيد وهو القرار الذي استبشر به الناس خيراً وظنوا أنه سيخفف عن كاهلهم أعباء المعيشة الضاغطة قبل أن تصطدم طموحاتهم بصخرة الواقع المرير والمفاجأة الصادمة تجلت عندما هبطت المنحة في حسابات الموظفين مبتورة ومخصومة بنسبة ٥٠% فقط، ليتحول القرار الحكومي في لمحة بصر إلى (قرار ربيت) مكتمل الأركان هذه الأنصاف من الحلول لم تكن مجرد خيبة أمل مالية، بل كانت طعنة نافذة قتلت فرحة العيد في نفوس الموظفين والعاملين وأسرهم. لقد تحول العشم العريض إلى فتات لا يسد التزامات العيد ولا يداوي جراح الميزانيات الأسرية الممزقة*.

 

*هذا التخبط الإداري الفاضح يضعنا أمام مرآة تكشف بوضوح غياب التنسيق التام بين والي الولاية ووزير ماليته فالمشهد يبدو وكأن الوالي يغرد في وادٍ والمالية تطبق في وادٍ آخر إما لأن السيد الوزير غير مستعد لتنفيذ قرارات الوالي أو لأن القرار أُصدر دون دراسة حقيقية للموارد المتاحة وفي كلتا الحالتين فإن النتيجة واحدة تضارب في الصلاحيات يدفع ثمنه المواطن البسيط من أعصابه وقوت عياله*.

 

*من الناحية القانونية والإدارية يعلم الجميع أن مسألة المرتبات والمنح ليست من الصلاحيات المطلقة لوالي الولاية بقدر ما هي اختصاص أصيل ومباشر لوزارة المالية فوزارة المالية هي الجهة الوحيدة الحاضنة للميزانيات والمدركة لحجم التدفقات النقدية والعجز وبالتالي فإن إطلاق الوالي لوعود فضفاضة دون غطاء مالي مؤكد من وزارته هو نوع من البروباغندا السياسية التي تفتقر للمسؤولية المؤسسية

إن صياغة القرارات بهذه الطريقة الارتجالية تجعلنا نردد مثلاً سودانياً آخر يقول (الما بِيَدَّك.. ما بِسَندَّك) فقد اعتمد الوالي على صلاحيات معنوية وافتراضية ونسي أن القلم الحقيقي والمال تملكه وزارة المالية هذا الانفصام بين سلطة القرار وسلطة التنفيذ هو الذي ينتج لنا هذه المسوخ الإدارية التي نراها اليوم حيث يصدر القرار ملكياً ويُنفذ شعبياً على طريقة (الربيت)*.

 

*بناءً على هذا الواقع يحق للموظفين والعاملين اليوم أن يطلقوا على قرار الوالي وبصوت عالٍ (قرار الرَّبِيت) حتى وإن حاولت الحكومة لاحقاً تجميل وجهها وتطبيقه بأثر رجعي. فالأثر الرجعي في عالم المال يشبه إعادة تسخين (الربيت) بعد أن يبرد يفقد طعمه وقيمته ولا يغير من حقيقة أنه فتات جاء في غير أوانه وبعد أن انقضت الحاجة الماسة والموسم الذي استدعى إصداره*

 

نــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*إن إدارة شؤون المواطنين وقوتهم لا يمكن أن تدار بعقلية تطييب الخواطر أو منح الأطفال قشور الذبيحة الموظف السوداني ليس طفلاً ينتظر الربيت في آخر اليوم بل هو عماد الدولة وصمام أمانها إن لم تكن الحكومات الولائية قادرة على إصدار قرارات كاملة الدسم ومسنودة بتنسيق كامل وصلاحيات حقيقية فالأكرم لها الصمت لأن قرارات الربيت لا تبني دولة ولا تحمي كرامة موظف*.

 

ربــــــــــع شـــــــوكة

 

*عمال الولاية المجوبكة (البكاء حار والميت كلب)*.

 

 

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى