ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت) الضبـاط الإداريين… بين الفرصة وتحديات الكفاءة!!
*شهدت الساحة السياسية والإدارية في السودان تحولاً جذرياً في أعقاب قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر حيث اتجهت قيادة الدولة نحو الاعتماد على التكنوقراط والخبرات الخدمية لملء الفراغ الدستورى فى ولايات البلاد.
وفى هذا السياق برز خيار تكليف الضباط الإداريين بمناصب ولاة الولايات كخطوة استراتيجية هدفت إلى إبعاد الحكم المحلى عن التجاذبات الحزبية الصارخة والاستعانة بركائز الخدمة المدنية الذين يمتلكون دراية واسعة بآليات الإدارة المحلية وتفاصيل الحكم اللامركزى ومثّل هذا التكليف المفاجئ يمثل فرصة ذهبية لم يكن يتوقعها الجيل الحالى من الضباط الإداريين والذين عانوا لسنوات طويلة من التهميش.
وتمدد التمكين السياسى على حساب الكفاءة المهنية وكان يُنظر إلى هذه الخطوة كمنصة مثالية لاستعادة الثقة بالنفس وإثبات أن الجهاز التنفيذى للدولة قادراً على قيادة الدفة فى أحلك الظروف وإعادة الاعتبار للوظيفة العامة وللإرث الإدارى السودانى الرصين الذي تميزت به مدرسة الحكم المحلى تاريخياً*.
*ومع خوض التجربة على أرض الواقع تباينت مؤشرات الأداء بشكل ملحوظ بين ولاية وأخرى حيث نجح بعض الضباط الإداريين في تقديم نموذج مشرف للكفاءة والنزاهة مستفيدين من خلفياتهم المهنية في امتصاص الأزمات المعيشية وبناء جسور التواصل مع المكونات المجتمعية.
وفى المقابل عجز آخرون عن مجاراة التعقيدات الأمنية والسياسية المتصاعدة وظهرت ثغرات واضحة فى اتخاذ القرار وتدبير الأزمات الطارئة مما خلق انطباعاً بوجود فجوة بين التنظير الإدارى ومتطلبات القيادة السيادية وأمام هذا التباين في الأداء لم تقف قيادة الدولة مكتوفة الأيدى إذ جاءت حزمة الإعفاءات والتعيينات اللاحقة كعملية تقييمية مباشرة وموضوعية لتجربة الضباط الإداريين فى تلك الولايات ولم يكن التغيير اعتباطياً بل استند إلى رصد دقيق لمستوى النجاح والإخفاق في إدارة الملفات الحيوية مما عجل بإنهاء تكليف من لم يثبتوا كفاءة تتناسب مع حساسية المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد*.
*وفي هذا الصدد حملت القرارات الأخيرة دلالات سياسية وأمنية واضحة عندما قررت قيادة الدولة الاستعانة بجنرالات متقاعدين من القوات النظامية لتولى مناصب الولاة بدلاً من الضباط الإداريين في ولايات استراتيجية مثل الولاية الشمالية النيل الأبيض كسلا القضارف وسنار هذا الإحلال العسكرى المدنى أظهر بوضوح أن معايير الاختيار قد تبدلت لصالح الحسم الأمنى والقدرة على ضبط التوازنات فى ولايات تشكل عمقاً أمنياً واقتصادياً حساساً*.
*ولم يكن الفشل في بعض الملفات الخدمية هو المسوغ الوحيد للتغيير بل إن كواليس الأسرة الإدارية نفسها شهدت تصدعات ساهمت في إضعاف التجربة حيث طفت على السطح خلافات حادة دارت في العلن وتارة فى الخفاء بين الضباط الإداريين أنفسهم وبدلاً من التلاحم لتقديم نموذج جماعي ناجح سادت حالة من التنافس السلبي ومحاولات التقليل من شأن بعضهم البعض مما أضعف جبهتهم الداخلية وهز صورتهم أمام الرأي العام وصانع القرار*.
*إن هذه الصراعات البينية والتقليل المتبادل من الكفاءات أرسل إشارات سالبة لقيادة الدولة مفادها أن النخبة الإدارية قد تفتقر أحياناً إلى النضج السياسى اللازم لإدارة الأزمات الكبرى بروح الفريق الواحد هذا السلوك الإقصائى داخل المنظومة الإدارية سرّع من قناعة المركز بضرورة البحث عن بدائل تمتلك تراتبية منضبطة وخلفية حاسمة قادرة على فرض الهيبة والاستقرار.
وهى السمات التي تتوفر في القيادات العسكرية المتقاعدة وهنا يمكن القول إن تجربة الضباط الإداريين في مقاعد الولاة لم تكن فشلاً مطلقاً ولم تكن نجاحاً باهراً بل كانت مرآة حقيقية لواقع الخدمة المدنية المنهكة فى السودان ولقد أثبتت التجربة أن إدارة الولايات فى ظروف الاستثناء تتطلب مزيجاً معقداً من الحنكة الإدارية الصلابة الأمنية والتماسك الأخلاقى والمهنى وهو ما لم يتوفر بالقدر الكافى فى بعض الولايات المعفية*.
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
*تظل الدروس المستفادة من هذه التجربة غنية للضباط الإداريين كقبيلة مهنية إذ إن استعادة الثقة فى أدائهم مستقبلاً باتت مشروطة بمدى قدرتهم على مراجعة الذات وتجاوز الخلافات الشخصية البينية والتركيز على تطوير أدواتهم القيادية فالفرص التاريخية نادراً ما تتكرر وبناء مؤسسات الحكم المحلى على أسس متينة يستوجب أولاً تنقية البيت الإدارى من الداخل ليكون مؤهلاً لقيادة الدولة مجدداً متى ما استدعى الواجب الوطني ذلك*.
ربــــــــــع شـــــــوكة
*ما زال المستقبل ينتظر الضباط الإداريين وعليهم أن لا يقللوا من شأن بعضهم البعض وعدم إشباع حظوظ النفس وكلما توحد الضباط الإداريين كلما كانوا محل إحترام وتقدير القيادة والقاعدة*.
yassir.Mohammed@gmail.com



