ياسر محمد محمود البشر يكتب… دمــــوع العيـــــد… من كـل بيـت مفقـود زول!!
*ثلاثة سنوات حسوما لم يعد العيدُ زائراً يطرقُ أبواب بيوتِ السودانيين بالبِشِر والتهانى بل غدا شبحاً يطرقُ أبوابَ المقابرِ بحثاً عن ساكنيها الجدد وصبيحةَ اليوم الجمعة ٢٠ / ٣ / ٢٠٢٦ يطل علينا عيد الفطر المبارك وبينما يتبادلُ الناس عبارات كل عام وأنتم بخير يتبادلُ السودانيون نظراتِ الفقدِ الصامتة فوقَ أضرحةٍ نبتت فى أفنيةِ المنازلِ وعلى قارعةِ الطرقات لقد استبدلت الحربُ صخبَ المآذنِ بصمتِ المآتم واستحالت البلادُ التى كانت يوماً منارةً للترابطِ إلى سرادقِ عزاءٍ كبير لا ينتهى هنا فى الذكرى الثالثة لهذا الصدام الدامى لا تجدُ في كل بيتٍ إلا مفقوداً يسكنُ غيابُه الزوايا والحنايا أو شهيداً تركَ مقعدَه شاغراً على مائدةِ العيد وترك صبية أرملة وأطفال ايتام وأم ثكلى وأب مكلوم ليتحولَ الوطنُ بأكملهِ إلى جسدٍ مثخنٍ بالجراح يقتاتُ على ذكرياتِ أعيادٍ مضت ولن تعود*
*ثلاثة سنوات بالسودان ولم تعد رائحة (الخبيز) والآبرى هى التى تفوح من أزقة الأحياء السودانية بل حلت محلها غصة الفقد وبقايا البارود للعام الثالث على التوالى يستقبل السودانيون عيد الفطر المبارك لا كفرحة دينية منتظرة بل كـسرادق عزاء ممتد من نيله إلى صحاريه ومن توتيل الى جبل مرة بعد أن تحولت الحرب التي دخلت عامها الثالث إلى ثقب أسود يبتلع بهجة البيوت السودانية بلا إستثناء*
*فى كل بيت سودانى اليوم نحيب ونواح ودموع على فقد ولد وفى كل بيت سودانى هناك حكاية مبتورة ولم يعد السؤال ماذا سنرتدى ليوم العيد العيد؟ بل اصبح السؤال من الذى غاب عنا هذا العيد الحرب لم تكتفِ بتدمير الجدران بل هدمت السكينة النفسية للأسر فلا يكاد يخلو بيت من مفقود انقطعت أخباره أو شهيد وراه الثرى فى فناء المنزل لتعذر الوصول للمقابر أو نازح يفترش الأرض في مراكز الإيواء بعيداً عن دياره*
*عيد الفطر فى السودان كان يعنى اللمة والزيارات المفتوحة واليوم العيد يعنى البكاء على الأطلال والدموع وذكريات العابرين الى الضفة الأخرى وصور الغائبين وتبدلت الحال من العيدية إلى الفجيعة وتحولت الميادين التي كانت تضج بصلاة العيد وتكبيراته التي تهز القلوب إلى ساحات يسكنها الخوف والترقب من هجوم المسيرات وتحول السودان الذى كان يُعرف بأنه أكبر مائدة إفطار فى الشارع صباح العيد بات اليوم يعانى من تمزق النسيج الاجتماعى وتشتت الأسر بين عواصم الجوار ومعسكرات النزوح الداخلى وأصبحت فرحة العيد رفاهية لا تملكها الغالبية*
*أطفال السودان الذين كبروا ثلاث سنوات تحت أصوات المدافع نسوا معنى العيدية وحل محلها القلق من القصف وأصبح السودان وطن يتشح بالسواد لقد تحول السودان بفعل الصدام المستمر إلى ما يشبه مأتماً كبيراً لم تعد التهانى (عيدك مبارك) بل أصبحت حمد الله على السلامة وربنا يرد الغائبين وأصبحت القلوب التى كانت تفيض بالتسامح باتت اليوم مثقلة بمرارة الظلم وضياع الوطن الذى كان يوماً ملاذاً للجميع*
*بينما يتبادل الناس التهانى يقف السودانيون أمام شاشات هواتفهم يقلبون صور من رحلوا وينظرون إلى مفاتيح بيوتهم التى تركوها خلفهم آملين أن يأتى العيد القادم وقد صمتت المدافع وعاد الولد المفقود وانتهى سرادق العزاء ليعود السودان وطناً للفرح لا ساحة للفجيعة*
*جاء عيد الفطر وذرفنا الدموع على السودان كوطن أُحرق بأيدى بنيه بحثا عن سلطة وكرسى خبأنا دموعنا من أبنائنا بكينا سرا وسنبكى ولم يعد لدينا ما نفقده فمنذ سنوات ثلاث فقدنا بيوتنا ممتلكاتنا سياراتنا أُخرجنا عنوة وإقتدارا من بيوتنا أصبحنا فقراء بعد غنىً عشناه واصبحنا مجرد أرقام فى دفاتر المعاناة لكننا لم نقنط من رحمة الله فهو الذى اسبغ علينا نعمه ظاهرها وبطانها وألهمنا الصبر واليقين والثبات ودموعنا التى نزلت من مآقينا صباح عيد الفطر ليست ضعفا بقدر ما أنها مشاعر إنسانية كان لا بد منها*.
yassir. mahmoud71@gmail.com



