مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب…. حـال القحـاتة الحيـارى!!

*فى زاوية ضيقة من مقهى هادئ يتصاعد منه دخان الشاى بالنعناع جلس صديقان يتبادلان الحديث عن تقلبات السياسة وأحوال العباد وسط أجواء تفيض بالمرارة والتندر على الواقع المعيش حيث أصبحت القضايا المصيرية للوطن تدار في المهاجر وتلخصها السخرية السودانية اللاذعة التى تبكيك وتضحكك في آن واحد ودار الحوار بينهما حول أولئك الذين انقطعت صلتهم بالهم اليومى للمواطن البسيط والذين يتنقلون بين عواصم الشتات وقاعات الفنادق الفخمة تاركين خلفهم شعباً يتجرع أوجاع الحرب والنزوح ليتجلى المشهد في صورة حوار ساخر يختصر حجم الفصام السياسة الذي يعيشه النخبة بعيداً عن أرض الواقع*.

 

*التفت أحدهما إلى الآخر بنبرة تتداخل فيها الدهشة باليقين الجازم وقال (يا زول أنت عارف فندق الهيلتون هناك بقى هامل هملة تتغدى وتتعشى وتنام وقبل ما تطلع يدوك ١٠٠ دولار) نظر إليه صديقه بنظرة شك وعدم تصديق وسأله (يا زول أنت متأكد من الكلام ده فرد بثقة مطلقة: “متأكد ١٠٠٪ فسأله مجدداً أنت مشيت الهيلتون وشفت بنفسك فجاءت الإجابة الساطعة لا. مشت أختى هذه الملاطفة الشفهية رغم بساطتها الظاهرة تختصر عمق المأساة وشكل الشائعة والسطحية التي تغلف الأجواء اليوم حيث تبنى التوقعات وتصنع القناعات بناءً على الروايات المنقولة بينما المشهد السياسى الشاخص يخفي وراءه تفاصيل أشد غرابة وأكثر إيلاماً للشعب المغلوب على أمره*.

 

*إنها الصورة المصغرة التى تعكس حال القحاتة اليوم أولئك الذين تحولت قضيتهم الوطنية إلى إقامات ممتدة فى بهو الفنادق وورق الأجندات حيث تجرى الاستضافة وتُقدّم الخدمات الفندقية المترفة على أنغام التنقل من قاعة مؤتمرات إلى أخرى بعيداً عن الغبار والنزيف الحقيقى فى مدن وقرى السودان يدخلون الفنادق المجهزة يتناولون وجبات الغداء والعشاء الفاخرة على موائد التفاوض الشكلى ويبيتون فى غرف مريحة حتى إذا أشرق الصباح كان في انتظارهم المقابل المتمثل فى المخصصات واليوميات والوعود لتتحول مأساة وطن كامل بالنسبة لهم إلى مجرد جدول أعمال مريح وإقامة مدفوعة الأجر*.

 

*هذا الترف السياسى المعزول الذى أضحى مثار سخرية الشارع السودانى لم يعد مجرد نقد عابر بل تحول إلى رمزية حية للغياب التام عن النبض الحى للمواطن فالفرق شاسع بين من يستيقظ على صخب المعاناة والنزوح وبين من يستيقظ في أرائك الفنادق ليسلموه مصروف يومه إن التاريخ لا يرحم الذين يرتضون لأنفسهم الاسترخاء في الفنادق بينما تنزف بلادهم وسيحفظ الشارع السودانى هذه المشاهد فى ذاكرته الحيّة لتبقى حكاية الهيلتون وسردية (مشت أكتر) شاهداً صارخاً على مرحلة اختزلت قضايا أمة في وجبة مجانية ومائة دولار*.

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى